مازالت التعقيدات السياسية تطغى على العمليات العسكرية في افغانستان، حيث استمر الغموض حول الموقف النهائي لتحالف الشمال المعارض من عقد اجتماع لمختلف الفصائل بهدف تشكيل حكومة موسعة، مما جعل الجهود الدبلوماسية لعقد الاجتماع تراوح مكانها، مع تكريس باكستان التي اقرت بانهيار طالبان للقطيعة مع الحركة التي بدأت الانشقاقات تسحب قندهار من قبضتها، وفيما هدد العرب والاجانب الذين يقاتلون الى جانب الحركة في قندوز بالانتحار الجماعي لتفادي الاستسلام تركت قوات التحالف الشمالي ممراً لتسهيل الاستسلام، شرط تخلي المحاصرين عن اسلحتهم، في وقت وصل أول دبلوماسي بريطاني الى كابول ترافق مع تقارير عن وصول قوات بريطانية وفرنسية الى مزار الشريف بالتزامن مع نشر المئات من الجنود الامريكيين اغلبهم تمركزوا في محيط قندهار وآلاف الجنود البريطانيين في افغانستان. وألقت تعقيدات مرحلة ما بعد طالبان امس بظلالها على الساحة الافغانية التي تتداخل فيها المصالح الاقليمية والدولية سيما وان وزير خارجية باكستان عبدالستار كرس خلال مؤتمر صحفي في اسلام اباد امس القطيعة مع طالبان بقوله: «لا نتمتع بعلاقات وليست هناك اعمال بين حكومة باكستان وما تبقى من حكومة طالبان» لكنه سارع للقول «ولكن العلاقات بين باكستان وافغانستان ستستمر وسنحافظ عليها بصدق نية». واقر الوزير بأن حكومة طالبان انهارت. وقال عبد الستار ان ما فهمته باكستان هو ان الامم المتحدة لا تعترف بأي حكومة في افغانستان بعد قرار لمجلس الامن في الاونة الاخيرة بمساعدة الافغان على تشكيل ادارة انتقالية يجب ان تؤدي الى تشكيل حكومة موسعة متعددة الاعراق في افغانستان. وتوقع عبدالستار عقد اجتماع للفصائل الافغانية برعاية الامم المتحدة خلال ايام وقال انه يمكن ان يعقد «قرب يوم 24 من الشهر الجاري». واوضح عبد الستار ان الامم المتحدة ستختار الافغان الذي سيدعون للمشاركة في الاجتماع الذي قال انه سيكون الخطوة الاولى من عملية ذات خمس خطوات خطط لها الاخضر الابراهيمي مبعوث كوفي عنان الأمين العام للامم المتحدة الى افغانستان وتستهدف تشكيل حكومة افغانية لمرحلة ما بعد طالبان. وأضاف وزير الخارجية الباكستاني ان العملية تتضمن عقد اجتماع موسع لاحق لمجلس انتقالي يتولى بحث تشكيل ادارة انتقالية تحكم افغانستان لمدة تصل الى عامين تتوج بعقد جمعية موسعة لتشكيل حكومة المستقبل. ولأجل هذا الهدف يجهد مبعوث الامم المتحدة فرانسيسك فندريل لاقناع زعماء التحالف الشمالي في كابول بعقد اجتماع لمختلف الفصائل الافغانية. وخلافاً لما كان عبدالله عبدالله وزير خارجية التحالف أعلنه في وقت سابق بقبول عقد هذا الاجتماع في احدى الدول الاوروبية الا ان اريك فولت المتحدث باسم الامم المتحدة قال امس انه لم يتم التوصل بعد الى مثل هذا الاتفاق. وقال فولت للصحفيين في كابول «نريد عقد هذا الاجتماع في اقرب وقت ممكن. حين نتوصل لاتفاق مع تحالف الشمال يمكن (للاجتماع) ان يحدث خلال ايام». واجتمع فندريل امس مع وزير دفاع تحالف الشمال محمد فهيم. ومنذ وصوله الى افغانستان يوم السبت اجرى فندريل محادثات ايضا مع برهان الدين رباني زعيم التحالف ومع وزير الخارجية عبد الله عبد الله وزعماء اغلبية الباشتون. واعلن تحالف الشمال انه يفضل محادثات طاولة مستديرة للتوصل الى اطار لتشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة تتولى مقاليد الامور في كابول. وصرح فولت بأن فندريل سيلتقي في وقت لاحق في كابول مع دبلوماسيين من روسيا وايران وبريطانيا. وفي هذا الاطار اعلن مقر رئاسة الوزراء البريطانية في «داونينج ستريت» ان الدبلوماسي البريطاني ستيفن ايفانز وصل صباح الاثنين الى كابول في محاولة لوضع «نواة ممثلية بريطانية» واجراء اتصالات مع ابرز المسئولين الافغان. ويرافق ايفانز، وهو اول ممثل دبلوماسي بريطاني في العاصمة الافغانية منذ مغادرة السوفييت في 1989، وفد من ثمانية مسئولين في وزارتي الدفاع والخارجية، بحسب المصدر نفسه. وأعلن المتحدث باسم رئاسة الوزراء انه من المقرر ان يجري الدبلوماسي البريطاني المتعمق بالشئون الافغانية، اتصالات في الايام المقبلة مع المسئولين في تحالف الشمال بالاضافة الى مختلف الاطراف المعنية. واضاف «سيعمل الى جانب الامم المتحدة حول المسائل الدبلوماسية والانسانية بحيث يصبح بالامكان اسماع صوتنا ميدانيا». وكانت شبكة «سي.ان.ان» الامريكية ذكرت امس ان قوات بريطانية، وفرنسية تتجه للانتشار في مزار الشريف التي بات الجنود الامريكيون يتجولون فيها بحرية تامة. ونفت لندن امس ان يكون نشر حوالي 6 آلاف جندي بريطاني في افغانستان شهد تأخيرا بسبب رفض تحالف الشمال. وفي تعقيد جديد يضاف للصراع بين الرئيس المخلوع برهان الدين رباني والملك المخلوع ظاهر شاه اعلن الرئيس الانتقالي الافغاني السابق صبغة الله مجددي امس انه يريد العودة الى افغانستان للعب دور في ارساء سلام عادل في بلاده. وفي بيان تسلمت وكالة فرانس برس في كوبنهاجن نسخة عنه الاحد، دعا مجددي (76 عاما)، وهو من الباشتون، الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان ومبعوثه الخاص الى افغانستان فرنسيسك فندريل لـ «تسريع عملية تشكيل مجلس افغاني واسع يضم شخصيات سياسية وقبلية ودينية وفكرية محترمة وكذلك ممثلين عن قوات مثل الجبهة الموحدة والعناصر المعتدلين في طالبان». وناشد مجددي الذي يعيش منفياً في الدنمارك وهو، زعيم جبهة التحرير الوطني الافغاني، المجتمع الدولي لتبني «تدابير فعالة من اجل تجنب وقوع مآس لاحقة ومشكلات» في افغانستان، كما دعا «مختلف المجموعات والفصائل المتناحرة الى التحلي بضبط النفس واحترام حقوق الانسان». اما على الصعيد العسكري فقد تواصلت عملية انكماش قوة طالبان حتى في معقلها حيث ذكرت «سي.ان.ان» ان الحاكم الاداري للمدينة والمساعد المقرب من زعيم الحركة الملا محمد عمر انشق عن طالبان ويعتزم مطالبة الملا عمر بالانسحاب مع قواته منها. وقالت الشبكة ان زعماء قبائل الباشتون مددوا المهلة لطالبان لمغادرة قندهار حتى السبت المقبل مؤكدة من جهة اخرى انسحاب الحركة من اقليم فرح المتاخم للحدود مع إيران. ووفقا ليوسف باشتون المتحدث باسم قبائل الباشتون فى تصريحات للشبكة أنه تم ابلاغ حاكم المدينة والمجموعة التى معه بضرورة مغادرة اقليم فرح وهو ما حدث على الفور حيث توجهوا الى المناطق الريفية والقرى المجاورة وسمح لهم بذلك طالما التزموا بالقاء اسلحتهم. وقال المتحدث يوسف باشتون انه تم ابلاغ طالبان بأنه لن يتعرض لهم احد فى هذه الفترة طالما القوا سلاحهم. واشارت الشبكة الى ان مجلساً من كبار السن من الباشتون اجتمعوا فى المدينة فى اطار مجلس لكبار الاعيان لبحث مستقبل الاقليم حيث تم اختيار مجلس يضم ثلاثة اشخاص لادارة هذا الاقليم. ولم يستبعد الجنرال محمد داوود المكلف العسكري للمعارضة في جبهة قندوز انتشار قوة فصل برعاية الامم المتحدة وقال ان انتشار كتيبة دولية ليس امراً مستحيلاً. وفي قندوز آخر معاقل طالبان في الشمال سكتت مدافع تحالف الشمال امس مفسحة المجال لغارتين امريكيتين على جبهة خان اباد المتاخمة للمدينة. وطالت القنابل مواقع لطالبان على تلة قريبة من خان اباد. وارتفعت سحابتان من الدخان في الموقع المستهدف. وكان الامريكيون نفذوا امس الاول ضربات عنيفة لم يشهد لها مثيل منذ اسبوع على الاقل في قندوز حيث يتحصن الالاف من عناصر طالبان. وقالت واشنطن ان الطيران الامريكي شن 138 هجوما الأحد في جبهة قندوز. وقال متحدث باسم تحالف الشمال «لا يدور قتال في الوقت الراهن والمفاوضات تجري مع مقاتلي طالبان داخل قندوز لاقناعهم بالاستسلام بدون قتال». واستسلم نحو 200 من بين عدة الاف من قوات طالبان داخل المدينة المحاصرة الى التحالف في وقت متأخر الاحد بعد ايام من القصف الجوي الامريكي المدمر. ويسعى مقاتلو طالبان المحاصرون في مدينة قندوز بشمال البلاد الى التفاوض حول الاستسلام وضمان سلامتهم تحت مظلة الامم المتحدة الا ان التحالف المناهض لطالبان ذكر انه لن يدع الاجانب الذين قاتلوا الى جانب طالبان يفلتون بلا عقاب. واضاف المتحدث ان المقاتلين الباكستانيين والعرب والشيشان في تنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن صوبوا بنادقهم الى زملائهم الافغان الخائفين امس الأول وقتلوا 53 منهم. ويفضل الكثير من المقاتلين الاجانب في افغانستان القتال حتى الموت على الاستسلام ادراكا منهم بأنهم معرضون للانتقام على ايدي الافغان الذين يبغضونهم ولانه ليس لديهم ملاذ آمن يلجأون اليه بخلاف مقاتلي طالبان الذين يمكنهم الاختفاء في الجبال والتوجه منها الى منازلهم. وفي الاسبوع الماضي فجر ستة من العرب انفسهم امام قوات التحالف الزاحفة في بلدة بالقرب من الحدود مع طاجيكستان المجاورة. ومع اشارة «سي.ان.ان» الى رغبة قائد طالبان الملا داوود الله وحاكم قندوز حاجي عمر خان الاستسلام للامم المتحدة حيث بدأ الأمين العام للمنظمة الدولية كوفي عنان اتصالات بهذا الشأن مع منظمة الصليب الأحمر الدولية قالت الشبكة نفسها ان 60 شيشانياً آثروا اغراق انفسهم في نهر بدل الاستسلام فيما آثر 25 غيرهم اطلاق النار على أنفسهم حين ايقنوا انهم سيسقطون في قبضة تحالف الشمال. وفي هذه الاثناء اعلنت الناطقة باسم وزارة الدفاع الامريكية فيكتوريا كلارك امس ان الولايات المتحدة نشرت «مئات» من جنود النخبة من القوات الخاصة في افغانستان. وقالت امام الصحفيين ان «عددهم في الجنوب ارتفع خلال الايام الماضية. ومنذ الجمعة الماضي اصبح هناك جنود اضافيون» لملاحقة اسامة بن لادن وقادة طالبان. واضافت ان القوات الامريكية تواصل تضييق الخناق على ابن لادن وليس هناك ما يدفع للاعتقاد بانه قد فر من افغانستان. كما اعلن الناطق باسم البيت الابيض اري فلايشر ان الولايات المتحدة تعمل بشكل منسجم ووثيق مع اسلام اباد لمنع ابن لادن من دخول باكستان. وقال وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد امس ان بلاده ترفض التفاوض على مغادرة زعيم طالبان الملا عمر قندهار مؤكداً رفض واشنطن مبدأ التفاوض على الاستسلام. وأكد الوزير ان «الولايات المتحدة لا تؤيد عمليات استسلام متفاوض عليها» لمسئولي طالبان او القاعدة لمغادرة افغانستان لأنه لا ينبغي ابداً ان يكون بمقدورهم القيام بأنشطة ارهابية او مزعزعة للاستقرار في مكان آخر. واجابة عن سؤال عن مفاوضات محتملة بين قوات طالبان المتحصنة في قندوز (شمال) وتحالف الشمال اجاب رامسفيلد «ان املي هو ان يقتلوا (طالبان) او يسقطوا في الاسر». ـ الوكالات