سرعة انهيار نظام طالبان وانتصار تحالف الشمال لا يؤشران بالضرورة إلى بداية استقرار افغانستان، على نقيض ذلك تماماً يمكن التدليل على توغل ذلك البلد المنكوب إلى مستنقع الحرب الأهلية. فانهيار نظام طالبان لا يعني نهاية الحركة المتطرفة نفسها، بقدر ما يؤكد فقط فقدانها زمام السلطة، كما ان دخول قوات التحالف العاصمة لا يمنحها قوة بسط نفوذها على أرجاء ذلك الوطن. ثمة عوامل عديدة تضافرت في الداخل والخارج وعجلت بتهاوي نظام طالبان، ربما يكون مفيداً الاتفاق على ان رفض الضربات الأمريكية الجوية لا يحجب حقيقة أخرى بالغة الأهمية تتمثل في رفض قطاع افغاني عريض سياسة القمع التي كان نظام طالبان يدير بها شئون العباد والبلاد ومن ثم هناك رغبة مستترة في التخلص من ذلك النظام. ومن المؤكد ان ذلك الرفض وتلك الرغبة يجردان طالبان ومقاتليها من السند الشعبي الداخلي الذي يمثل عنصراً أساسياً في تماسك الجهة الداخلية لأي نظام يواجه عدواناً خارجياً. ومما يفتت في الجهة الداخلية أكثر البدعة التي جاء بها نظام طالبان وتتمثل في زج شعب ووطن في محرقة من أجل رجل أو رجال وافدين بغض النظر عن المغالطة الايديولوجية التي سعت طالبان وزعيمها لاسباغها على المعركة. وقد يكون الحديث عن سوء تقدير قيادة طالبان لحجم «العدو» وتضخيم قدرات الحركة على مقارعة «العدو» كلاماً أصبح مكروراً فات أوانه، لكن الثابت ان سوء التقدير والتضخيم ساهما ـ ان لم يصنعا ـ تلك الخسارة الكارثية التي انتهت إليها الحركة على نحو فجائي للجميع بما في ذلك «العدو» نفسه. ويبدو ان تحالف الشمال كان محقاً في السرعة التي انتهجها لاقتحام معقل السلطة سواء كان ذلك بايعاز خارجي أو ادراك لطبيعة الاشياء في الداخل. غير ان هذه السرعة تجسد أحد مكامن الخطر الذي يحدق بالتحالف الشمالي في كابول. فالانتشار على مساحة شاسعة من قبل قوى محدودة يسهل الانقضاض عليها خاصة ان التحالف يدرك اكثر من غيره التشققات العرقية داخل تجمعه، وقد ساهمت في فقدانه السلطة في العاصمة نفسها قبل نحو سبع سنوات، كما ان قادة التحالف يدركون اكثر من غيرهم ان طالبان تجسد فصيلاً اثنياً اكثر من كونها حركة ذات طبيعة ايديولوجية، هذه الحقيقة هي التي تعيد الصراع الأفغاني إلى جذوره العرقية. لا يهم بالطبع المظلة الاقليمية أو الدولية التي يجري تحتها الصراع الاثني الافغاني في هذه المرحلة، الأهم ان يتذكر كل القادة الافغان ان محاور المظلة الاقليمية والدولية فوق أفغانستان لا تستهدف دعم طرف أفغاني على الآخر إلا بقدر ما يخدم ذلك غايات تلك المحاور الداعمة ولا يعني بالضرورة ذلك تحقيق استقرار دائم في أفغانستان، فأمريكا التي تتزعم الحملة الحالية تستهدف تنظيم القاعدة وجيوب الارهاب ورموزه في أفغانستان. وإذا كان لابد من التعويل من طرف أفغاني على محور خارجي فيجب الأخذ في الاعتبار تقاطع المصالح الدولية في تلك المنطقة وهذا التقاطع يزكي نار الحرب الاهلية في أفغانستان ولا يطفئها، فالأصابع الخارجية هي التي حرضت في السابق النعرات القبلية، ولدى البشتون استعداد ثأري للتجاوب مع أي تحريض خارجي ليس من أجل استرداد السلطة بالضرورة بل على الأقل اثارة قلاقل للنظام الجديد في كابول. ما يهمنا ـ نحن العرب ـ ان نستوعب ان الحرب التي بدأت في أفغانستان ستكون طويلة الأمد ولن تنتهي في تلك البقعة، فقد أكد بوش وبلير اكثر من مرة طول أمد الحرب وتعدد جبهاتها. ولا يهمنا فقط تحديد الاهداف التي ستطالها الضربات في منطقتنا فالأهم من ذلك تحديد اولويات الاهداف التي يمكن ان نحققها في سياق تقاطع المصالح الدولية في المنطقة الممتدة من فاس إلى قندهار. فللمنطقة «أفغان عرب»، بل أكثر من ذلك ثمة عواصم غربية تعتقد ان هناك عواصم عربية صنعت أو تصنع «ارهابيين» أو «ظاهرة الارهاب». هناك اجماع دولي على أهمية تصفية ظاهرة الارهاب غير ان هناك تباينات في المواقف على الساحة الدولية ازاء تعريف ظاهرة الارهاب. وازاء اسلوب ضرب جيوب الارهاب ورموزه. وتحت الجسر العسكري لتحقيق تلك التصفية تجري مياه سياسية غزيرة تحمل صفقات على قضايا وطنية واقليمية وثمة مؤشرات على استعدادات لتفكيك تحالفات تقليدية واعادة بناء أحلاف جديدة جديدة واعادة صياغة خارطة المنطقة وفق رؤى مستحدثة. كل ذلك يتطلب اليقظة لاغتنام الفرصة المناسبة في الوقت الملائم من أجل تحقيق غايات مدروسة. كتب المحرر السياسي: