في موازاة انتصارات عسكرية تواصلت امس بفقدان طالبان لأربعة أقاليم شرقية وتمركز قواتها نحو الجنوب وسط تقارير نفتها الحركة عن سقوط قندهار ما يعني خسارتها لأكثر من 80% من اراضي افغانستان بدأت مرحلة سياسية جديدة تنذر بانفجار الخلافات بين التحالف الدولي وتحالف الشمال الافغاني، برزت مؤشراته برفض التحالف الافغاني نشر قوات سلام دولية في الوقت الذي يستعد فيه آلاف الجنود البريطانيين للتمهيد لها بالانتشار في كابول ومزار الشريف اضافة لنفي هذا التحالف ما كشفه وزير الدفاع الامريكي حول وجود قوات امريكية في العاصمة الافغانية وقال الوزير رامسفيلد ان المهمة الامريكية المتمثلة في القبض على قادة القاعدة وطالبان مازالت امراً صعباً بالتزامن مع تقارير تحدثت عن خطط لنشر آلاف الجنود من قوات التحالف الدولي في شمال افغانستان يضاف الى ذلك اعلان التحالف الافغاني تنصيب برهان الدين رباني رئيساً لحكومة مؤقتة تعمل على اجراء انتخابات خلال سنتين وانشاء مجلس عسكري اعلى للامن يقابله تحد جديد يتمثل في اعلان الملك السابق ظاهر شاه عودته الوشيكة الى بلاده. وواصلت قوات طالبان تقهقرها امس حيث اخلت اربع ولايات شرقية ومن ضمنها نانجرهار وعاصمتها جلال اباد اضافة الى اوروزجان مسقط رأس زعيمها الملا محمد عمر وبكتيا وخرست بعد أعنف غارات للمقاتلات الامريكية. كما اعلن امس سفير الحكومة الافغانية في دوشانبي سعيد ابراهيم حكمت ان قوات التحالف الشمالي استولت على مدينة قندهار التي لم «يبق فيها اي عنصر لطالبان». واضاف ان الشعب تمرد وبسط تحالف الشمال سيطرته على المدينة ولم يعد فيها اي عناصر لطالبان. لكن الحركة نفت سقوط المدينة وتعزز هذا النفي مع تصريحات وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد ليلة أمس عن معارك تدور في قندهار معقل طالبان وضواحيها بين قوات المعارضة وقوات طالبان. وقال الوزير في اعقاب زيارة الى موقع برجي مركز التجارة العالمي المهدمين برفقة رئيس بلدية نيويورك رودولف جولياني «هناك معارك في قندهار وضواحيها» مضيفا «اعتقد وآمل في ان تتحرك قبائل الجنوب التي لم تكن تدعم طالبان وان تتشجع للاخذ بزمام الامور». ورفض رامسفيلد التعليق على معلومات مفادها ان معارك تجري بالخصوص في مطار قندهار. واشار الى انه يشعر بالارتياح لان طالبان فروا امام نزوح قوات المعارضة ولكنه كرر مجددا ان العثور على قادة طالبان «كالبحث عن ابرة في كومة من التبن». وقال «ان مهمتها تتمثل في القبض على قادة شبكة القاعدة وقادة طالبان. وذلك ما زال امرا صعبا». واكد «لم نتبلغ المعلومات القائلة بانه تم تحديد موقع (طالبان والقاعدة)». واعتبر الوزير انه «من المثير للفرح» ان نرى «الشعب الافغاني يعود الى بلاده» مضيفا «انهم شعروا بالامتنان للذين حرروهم وهذا يدل على مدى القمع الذي كانت تمارسه حركة طالبان». وفي أول رد فعل على التطورات العسكرية الأخيرة أعلنت طالبان أمس أن إزاحتها بالقوة دفعت بالبلاد إلى حالة من «الفوضى وإراقة الدماء مرة أخرى». وقال بيان لسفارة طالبان في إسلام آباد «الافغانيون لن يقبلوا أبدا الجنرالات الشيوعيين القتلة الذين يفرضون الان على الافغانيين من جانب قوى أجنبية». ويعتقد بأن هذه إشارة إلى جنرال الحرب الاوزبكي الاصل عبد الرشيد دوستم، وهو نائب وزير دفاع سابق في النظام الشيوعي الموالي لموسكو في التسعينيات. وأضاف البيان قائلا «أين منظمات حقوق الانسان التي دأبت على تشويه سمعة طالبان بسبب قضايا بسيطة؟.إنها الان تلتزم الصمت وهي ترى سفك دماء الابرياء». وفي موازاة ذلك ظهرت ملامح مرحلة صراعات سياسية قديمة متجددة في افغانستان ومتعددة الاتجاهات. اول هذه الصراعات كان اعلان عبدالله عبدالله وزير خارجية تحالف الشمال الافغاني في تصريحات لتلفزيون ابوظبي رفضه لنشر قوات سلام دولية في كابول وهو ما يتناقض مع توجه الامم المتحدة والتحالف الدولي المضاد للارهاب الذي تقوده الولايات المتحدة. وكان وزير الدفاع البريطاني جيف هون اعلن امس ان بلاده تستعد لنشر آلاف الجنود في كابول ومزار الشريف لتمهيد الطريق امام نشر قوات السلام الدولية. وكشفت صحيفة «كوميرسانت» الروسية عن أن المستشارين العسكريين الأمريكيين والأتراك هم الذين خططوا لمهاجمة مزار الشريف التى كانت بداية سقوط حركة طالبان وان قوة الكوماندوز الأجنبية ساعدت قوات التحالف الشمالى فى الاستيلاء على هذه المدينة. وقالت الصحيفة ان جنودا أمريكيين يرتدون زى جنود التحالف الشمالى شوهدوا فى شوارع مزار الشريف. من جانبها قالت صحيفة «ازفستيا» الروسية ان الأمريكيين يخططون لاقامة قاعدة عسكرية فى مزار الشريف التى يوجد فيها مطاران اضافة الى الطريق الذى يربطها بالحدود مع اوزبكستان والذى تسيطر عليه قوات الجنرال عبد الرشيد دوستم. وأضافت انه من المفترض ان ينضم 8 آلاف مقاتل من القوات الخاصة الألمانية والفرنسية والايطالية والبريطانية وقوات الدول الأخرى حلفاء الولايات المتحدة الى الجنود الأمريكيين خلال الساعات المقبلة. وكان وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد اعلن في مؤتمر صحفي الليلة قبل الماضية نشر عدد قليل من الجنود الامريكيين في كابول. وقال رامسفيلد «هناك عدد صغير جداً من القوات الامريكية في مدينة كابول ليس هناك عدد يكفي لمراقبة المدينة برمتها او حراستها». واشار الى ان القوات الامريكية موجودة هناك لتقديم المشورة الى «القيادة» في المدينة وابلاغ القيادة الامريكية بمشاهداتها. واضاف «لم نتلق تقارير حتى الآن». وفي وقت لاحق اكد رامسفيلد ان القوات الخاصة الامريكية تقيم حواجز ومراكز تفتيش على اهم الطرق التي تصل شمال افغانستان بجنوبها. وقالت وزارة الدفاع الامريكية «البنتاجون» في وقت سابق ان اقل من 100 عنصر من القوات الخاصة دخلوا الى افغانستان لكن رامسفيلد قال انه بالاضافة للعناصر الموجودة في مناطق يسيطر عليها التحالف الشمالي المناهض لحركة طالبان «فلدينا ايضاً قوات عمليات خاصة في جنوب البلاد.. وسوف يساعدنا ذلك ايضاً». وافاد ان القوات الامريكية تعتزم ايضاً التركيز «على مهمة فتح جسر بري الى اوزبكستان واصلاح بعض المطارات.. ربما في منطقة مزار الشريف.. وبلا شك شمالي كابول ايضاً ليمكن توصيل المساعدات الانسانية». لكن تحالف الشمال الافغاني سارع لنفي صحة تصريحات رامسفيلد حول وجود جنود امريكيين في العاصمة الافغانية. وقال يونس قانوني احد قادة التحالف لوكالة فرانس برس «ليس هناك قوات امريكية في كابول ولا في اي من المناطق الخاضعة لسيطرتنا». واضاف ان الجنود الامريكيين الموجودين في افغانستان ينتمون الى فريق يضم ما بين 10 و20 رجلا كانوا يوجهون من الارض الضربات الامريكية في شمال افغانستان مشيرا الى ان اولئك الرجال لم يدخلوا كابول. وفي موازاة ملامح الخلاف بين واشنطن وتحالف الشمال الافغاني هذا برز خلاف جديد يتصل بمستقبل افغانستان السياسي وصل الى حد تضاربت التصريحات داخل التحالف الافغاني نفسه حيث اعلن صبغة الله زكي المتحدث باسم الجنرال عبدالرشيد دوستم عن اقامة حكومة جديدة في كابول يرأسها رباني على ان يعين الجنرال محمد قاسم فهيم وزيراً للدفاع وعبدالله عبدالله وزيراً للخارجية. وقبل هذا الاعلان قال سعيد ابراهيم حكمت السفير الافغاني في دوشانبي لوكالة فرانس برس انه تحدث الى الرئيس المخلوع برهان الدين رباني وانه «سيتولى تسيير الامور في الولايات المحررة اضافة الى تولي دفة تحرير باقي الولايات التى لا تزال تحت سيطرة طالبان». لكن هذه التصريحات تتناقض مع ما اعلنه الثلاثاء يونس قانوني، احد معاوني رباني المقربين، ومفاده ان الرئيس الافغاني الذي لا يزال يحتفظ بمقعد بلاده في الامم المتحدة اضافة الى شبكة سفارات فى انحاء العالم لا يعتزم العودة الى السلطة. وقال فضل الله فاضل سفير افغانستان لدى مصر بأن عودة رباني الى كابول تأتى من كونه رئيسا لدولة مازالت تنال الاعتراف الدولى بشرعيتها وطوال السنوات الماضية تتعامل هذه الدول مع حكومة رباني على انها الحكومة الشرعية. وأوضح فى تصريحات خاصة لوكالة انباء الشرق الاوسط انه بعد ان تم اخراج طالبان فمن المنطقى ان يعود رباني لكابول عاصمة البلاد ليباشر مهام منصبه من العاصمة الدائمة لافغانستان بعد ان كان يمارسها من عاصمة مؤقتة. وحول ما اذا كانت عودة رباني تتعارض مع المطلب الامريكى الخاص بتشكيل حكومة ائتلافية قبل دخول كابول اوضح ان حكومة رباني كانت تردد طوال الشهر الماضى ان لها خطتها الخاصة وللتحالف خططه واهدافه الخاصة مؤكدا ان حكومة رباني هي الحكومة الشرعية ولكن لا مانع من توسيع قاعدتها بحيث تضم كل الفئات والتنظيمات السياسية والقوميات المختلفة فى افغانستان. ومن جهته قال قانوني «اننا مع اقامة حكومة مؤقتة في كابول بعد سقوط طالبان». واضاف «اننا نريد ان تكون هذه الحكومة المؤقتة واسعة التمثيل تشارك فيها جميع المجموعات الاثنية في افغانستان. وبعد سنتين يتم اجراء انتخابات عامة في البلاد». وقال ان الحكومة المؤقتة ستكون برئاسة رباني وهو القائد الافغاني الوحيد الذي تعترف به الامم المتحدة رسميا رغم طرده من كابول عام 1996. واضاف انه «لتشكيل حكومة مؤقتة، سيكون هو رئيس افغانستان لانه الرئيس». وتابع ان «رباني اعلن ايضا دعمه لتشكيل حكومة مؤقتة والدعوة الى عقد مجلس وحدة وطني». واعرب قانوني عن امله في ان تشكل حكومة جديدة في وقت قريب جدا في كابول قائلا ان تحالف الشمال «لن يعيد خوض التجربة السيئة لحكومة يتفرد في رئاستها طرف واحد لان ذلك اثبت عدم جدواه». ولم يحدد جدولا زمنيا لتشكيل مجلس وحدة وطني لكنه قال انه سيتوجه قريبا الى روما لاجراء مباحثات. وكان رباني اعلن الثلاثاء انه «بامكان الملك السابق ظاهر شاه ان يعود الى افغانستان لكن كمواطن عادي فقط» وذلك في مقابلة مع قناة الجزيرة الفضائية القطرية. وفي مقابل ذلك دعا ظاهر شاه الشعب الافغاني الى التحلي بالهدوء وتجنب الانتقام وانتظار عودته الوشيكة. وقال في بيان تم تسليمه الاربعاء لوسائل الاعلام الدولية «أبنائي الاعزاء، إنني أنشر هذه الرسالة بمناسبة حلول شهر رمضان. إنني أدعو إلى وحدة الشعب الافغاني. فلتتجنبوا الانتقام وتحترموا حقوق الشعب، ولتلتزموا الهدوء وتتحلوا بالصبر». وأضاف الملك السابق البالغ من العمر 87 عاما، «قريبا جدا، سوف أعود لاخدم وطني، ليس بصفتي ملكا، ولكن بصفتي خادما لافغانستان». وقال الملك المنفي من الفيللا التي يقيم بها في روما ان مستقبل أفغانستان يكمن في تشكيل «لويا جيرجا»، وهو مجلس أعلى تقليدي يضم قادة أفغانستان، يقوم بدوره بتعيين حكومة تمثل مختلف المجموعات العرقية في البلاد. الوكالات