أثارت تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي الارهابي ارييل شارون التي حذر فيها من ان اسرائيل لن تدفع ثمن التحالف المعادي للارهاب لاسترضاء العرب أزمة علنية في العلاقات مع الولايات المتحدة، التي رفض رئيسها جورج بوش هذه التصريحات واعتبرها «غير مقبولة» كما اعتبرت الصحافة الاسرائيلية موقف شارون بأنه «اعلان حرب سياسية على الولايات المتحدة». وبموازاة هذا التصعيد السياسي الذي يأتي رداً على تأييد بوش لقيام دولة فلسطينية بادر شارون الى وضع العراقيل امام التوجه الامريكي الجديد عبر اطلاق العنان لقواته بارتكاب المجازر الدموية بحق الشعب الفلسطيني، حيث نفذت قوات الاحتلال فجر أمس عملية اجتياح واسعة لمدينة الخليل استشهد خلالها سبعة فلسطينيين وجرح 30 آخرون بقذائف الدبابات ومروحيات الأباتشي ما دفع السلطة الفلسطينية لوصف هذه السياسة بأنها «دفع المنطقة الى الحرب». فقد دعا شارون مساء امس الأول الغرب عامة ولا سيما الولايات المتحدة الى الا تحاول «التفاهم مع العرب على حساب اسرائيل» كما فعلت الدول الغربية مع الزعيم الألماني النازي ادولف هتلر قبل الحرب العالمية الثانية. واعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي «ادعو الديمقراطيات الغربية وفي المقام الاول زعيمة العالم الحر، الولايات المتحدة، الى عدم تكرار الخطأ الرهيب الذي ارتكب عام 1938، عندما ضحت الديمقراطيات الاوروبية بتشيكوسلوفاكيا من اجل حل مؤقت». وقارن بذلك بين الرئيس الامريكي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني انذاك نيفيل تشامبرلن الذي دخل التاريخ باعتباره الرجل الذي استسلم امام هتلر في مؤتمر ميونيخ واهما انه بذلك يحافظ على السلام. وكان شارون يقصد تصريحات بوش التي اعرب خلالها الثلاثاء الماضي للمرة الاولى عن تأييده قيام دولة فلسطينية ضمن اطار تسوية سلمية في الشرق الاوسط. واعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي ان هذه التصريحات تهدف الى تسهيل قيام الولايات المتحدة بتشكيل تحالف دولي مناوئ للارهاب يضم دولا عربية ويفترض تقديم تنازلات سياسية من قبل اسرائيل. وفي اول رد فعل على هذه التصريحات اعلن البيت الأبيض امس ان تصريحات شارون «غير مقبولة» في نظر الرئيس بوش. وقال الناطق باسم البيت الابيض آري فلايشر ان «التعليقات التي ادلى بها رئيس الوزراء الاسرائيلي غير مقبولة في نظر الرئيس» موضحا ان بوش طلب منه مباشرة الادلاء بهذا التصريح. وهي المرة الاولى التي ترد فيها ادارة بوش بهذه اللهجة الشديدة على تصريحات يدلي بها رئيس الحكومة الاسرائيلية. واضاف فلايشر ان «بلاده نقلت رد فعلها الى اسرائيل عبر قنوات مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية». الى ذلك كشف مسئول اسرائيلي عن اسباب ادلاء شارون بهذه التصريحات حيث اكد ان «رئيس الوزراء الاسرائيلي اراد تعبئة الجالية اليهودية الامريكية في مواجهة احتمال لجوء بوش الى ممارسة ضغوط على اسرائيل». واضاف المسئول في تصريح لوكالة فرانس برس، طالبا عدم ذكر اسمه «في اشارته الى تشامبرلن، لوح شارون باحتمال حدوث محرقة جديدة». واضاف «انها ايضا طريقة للتعبير عن غضبه حيال رفض الامريكيين اضافة حركتي حماس والجهاد الاسلامي وحزب الله الى قائمة المنظمات المستهدفة في مكافحة الارهاب». الا ان هذه الحجج لم تقنع الكثيرين في اسرائيل. فقد شجب زعيم المعارضة اليسارية يوسي ساريد «المقارنة مع تشيكوسلوفاكيا والتي تعكس حال الذعر عند رئيس الوزراء». واضاف ساريد في تصريح للاذاعة الاسرائيلية العامة «بوسع اسرائيل ان تدافع عن نفسها وليس بامكان احد ان يضحي بنا، لسنا ضحايا مغلوبين على امرنا ومن الافضل لرئيس الوزراء ان يعتذر للامريكيين». ولم تكن وسائل الاعلام اقل حدة في انتقاداتها. ففي مقالتها الافتتاحية التي جاءت بعنوان «تدخل بركاني» اعتبرت صحيفة معاريف ان «ارييل شارون اعلن حربا سياسية على الولايات المتحدة متهما اياها بطعننا في الظهر، لقد فقد البوصلة». واعتبرت صحيفة يديعوت احرونوت الشعبية المستقلة الاكثر مبيعا، ان «ارييل شارون بلغ الذروة في التطير، ان تصريحاته مزعجة ومغلوطة تاريخيا ومسيئة سياسيا. ان ذلك يضعفنا ويشكل اهانة لاصدقائنا الامريكيين». حتى ان الوزيرة، تسيبي ليفني، من حزب الليكود الذي ينتمي اليه شارون، تبدى تحفظا على اللهجة التي اعتمدها شارون. واكدت للاذاعة الاسرائيلية «كنت لا ريب استخدمت تعابير اخرى، ولكني موافقة من حيث الجوهر». واضافت ليفني «بعد تصريحات جورج بوش رحب الفلسطينيون في وسائل الاعلام موضحين ان الارهاب حقق لهم مكاسب. لقد اظهرت الولايات المتحدة ضعفا باثباتها ان الارهاب في النهاية يتمكن من تحقيق غاياته». وتأتي هذه التطورات في الوقت الذي يمارس فيه شارون اقسى انواع الارهاب المنظم ضد الشعب الفلسطيني فقد ارتكبت قواته فجر أمس مجزرة جديدة خلال اقتحامها مدينة الخليل ذهب ضحيتها ستة شهداء واصيب العشرات بقذائف الدبابات وطائرات الأباتشي التي هدمت المنازل فوق رؤوس ساكنيها. وقال مصدر أمنى فلسطينى فى الخليل ان ما يزيد على 30 دبابة اسرائيلية و10مجنزرات تساندها مروحيات قتالية من نوع أباتشى وأعداد كبيرة من قوات الاحتلال والمشاة والوحدات الخاصة المتنكرة فى الزى المدنى اقتحمت منطقة أم الدالية باتجاه حارة أبو سنينة بالخليل وفتحت نيران أسلحتها الثقيلة وقذائف الدبابات باتجاه المنازل والبيوت السكنية. وحسب مصادر طبية فقد أدى العدوان الاسرائيلى الى استشهاد ستة مواطنين على الأقل وجرح ما يزيد على 30 آخرين بجراح فى الوقت الذى يعتقد أن هناك عدداً آخر من الشهداء والجرحى تحت أنقاض الحطام والركام الذى خلفه القصف الاسرائيلى الذي استمر لساعات طويلة. وقال المصدر انه تم التعرف من بين الشهداء على كل من حازم عبد المجيد عمرو 27 عاما وقاسم توفيق أبو عفيفة 48 عاما ورائد يوسف أبو داود 23 عاما واياد سمير قفيشة 28 عاما ونضال محمد فياض قفيشة 34 عاما مشيرا الى أن سبعة من الجرحى وصفت حالتهم بأنها خطيرة جدا. وأفاد شهود عيان أن عددا من الشهداء قضوا بعد اصابتهم بقذائف العدوان الاسرائيلى بصورة مباشرة وهم فى منازلهم وقد تحولت أجسادهم الى أكوام من اللحم المتناثرة. وقالت مصادر فى مديرية الدفاع المدنى أن ما يزيد على عشرة منازل على الأقل أصبحت ركاماً ودمرت فوق رؤوس أصحابها مشيرا الى ان الفرق الطبية وسيارات الاسعاف والمطافئ ما زالت تحاول جاهدة الوصول الى المناطق المدمرة لانتشال بعض الجرحى غير أن قوات الاحتلال التى وسعت عدوانها باعادة احتلال حارة ابو سنينة وأجزاء أخرى من منطقة وادى الهرية وجبل جنيد حالت دون وصولها وفتحت النار باتجاههم. وتزامن العدوان البرى الاسرائيلى مع هجوم شنته طائرات مروحية من نوع أباتشى على منازل لمواطنين وأطلقت ما يزيد على عشرين قذيفة جو أرض باتجاه منازل المواطنين مما أدى الى تدمير عدد كبير منها أو اصابته بأضرار بالغة. وأوضح ناطق باسم جيش الاحتلال بأن قواته ستبقى في المواقع التي احتلتها طالما اقتضت الضرورة. وحذرت السلطة الفلسطينية من الصمت العالمي ازاء سياسة التصعيد الاسرائيلي مؤكدة انها ستقود الى مزيد من التوتر في المنطقة. وقال نبيل ابو ردينة مستشار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات «ان السلطة الفلسطينية تحذر بشدة من استمرار سياسة التصعيد العسكري الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني». وشدد ابو ردينة على ان «التصعيد العسكري الاسرائيلي واستمرار الاحتلال الاسرائيلي ومواصلة صمت المجتمع الدولي سيؤدي الى مزيد من الانفجار والتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة والعالم». وطالب ابو ردينة «المجتمع الدولي وخصوصا الولايات المتحدة بسرعة التحرك الجاد من اجل وقف الاستخفاف الاسرائيلي بأرواح المدنيين الفلسطينيين وممتلكاتهم اثر تصعيد الأمس في الخليل بالضفة الغربية وفي بيت لاهيا في قطاع غزة». وقال «هذه المؤامرة تشارك فيها عناصر من الحكومة الاسرائيلية والجيش لتخريب الجهود الامريكية والاوروبية الرامية لانقاذ عملية السلام ووضع العراقيل امام التوجهات الجديدة للسياسة الامريكية». كما اعتبر احمد عبدالرحمن امين عام مجلس الوزراء الفلسطيني ان «الاقتحام الاسرائيلي للخليل قضى على وقف اطلاق النار». واتهم عبدالرحمن اسرائيل بالاستفادة من انشغال العالم بالهجمات التي تعرضت لها نيويورك وواشنطن يوم 11 سبتمبر لاعادة احتلال المناطق الفلسطينية. وقال «شارون لديه خطة كاملة لنسف عملية السلام» ودفع المنطقة كلها الى حافة الحرب.
بوش يرفض تصريحات شارون حول ثمن استرضاء العرب، أزمة علنية في العلاقات الأمريكية الاسرائيلية، 7 شهداء و30 جريحاً في اجتياح الخليل
