في تحرك لا يبدو منفصلاً عن جهود واشنطن لحشد تحالف دولي بتأييد عربي واسلامي في حملتها العسكرية للرد على تفجيرات بنيويورك وواشنطن استدارت الادارة الامريكية وخلفها بريطانيا 180 درجة كاملة، نحو الصراع العربي الاسرائيلي، واعلن الرئيس الامريكي جورج بوش ـ الذي تجاهل هذا الملف منذ بداية ولايته ـ تبنيه ضمناً لفكرة قيام دولة فلسطينية على أن يسبقها تطبيق توصيات تقرير لجنة ميتشيل، وتبعه على الفور رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي اكد ضرورة تحقيق العدل للفلسطينيين وحقهم في حياة انسانية على ارضهم الخاصة. وفيما يبدو سباقاً امريكياً مع الزمن لاكتساب المزيد من الاعضاء العرب في التحالف الدولي روجت الصحف الامريكية امس لمعلومات مفادها ان واشنطن كانت بصدد طرح مبادرة شاملة لحل الصراع خلال دورة الامم المتحدة الحالية، الا ان تفجيرات 11 سبتمبر اجلت الفكرة، التي شكك مسئول فلسطيني في جديتها مطالباً واشنطن بتصحيح خطأ عمره 50 عاما، لكنه رحب بتصريحات بوش التي لاقت اشادة عربية في حين قالت اسرائيل انها توافق على قيام دولة فلسطينية شرط ان تكون نتيجة للمفاوضات ومصحوبة باعلان نهائي للصراع في المنطقة. وقال بوش للصحفيين ان «فكرة قيام دولة فلسطينية كانت دائماً جزءاً من رؤية شرط احترام حق اسرائيل في الوجود» واضاف الرئيس الامريكي «لكن علينا ألا نحرق المراحل. عندما نتحدث عن الشرق الاوسط علينا اولا المرور بخطة ميتشل». ودعا بوش بعد اجتماع مع زعماء الكونجرس الى تخفيف حدة العنف في المنطقة أولاً وقال بان بلاده تعمل عن كثب مع اسرائيل والفلسطينيين لتخفيف العنف والعودة الى طاولة المحادثات للتوصل في نهاية المطاف الى خطة سلام. وقال بوش «نعمل بجد مع الجانبين لتشجيع تخفيف العنف حتى يمكن اجراء مناقشات ذات معنى». واعلن ان الولايات المتحدة لا تزال تؤيد الاقتراح الذي صاغه السناتور الامريكي السابق جورج ميتشل والذي يمهد الطريق امام استئناف مفاوضات السلام. وتابع ان ميتشل وضع «مسودة قابلة للتطبيق تتفق معها اغلب دول العالم باعتبارها المسار الضروري لحل قضية الشرق الاوسط في نهاية المطاف». من جهتها كتبت صحيفة نيويورك تايمز امس تقول ان ادارة بوش كانت مستعدة لاعلان مساندتها لاقامة دولة فلسطينية قبل هجمات الحادي عشر من سبتمبر الماضي. وتابعت الصحيفة ان وزير الخارجية كولن باول كان سيدعم هذه الفكرة في كلمته امام الجمعية العامة للامم المتحدة لتكون هذه هي المرة الاولى التي تؤيد فيها حكومة جمهورية اقامة دولة فلسطينية. وذكرت «نيويورك تايمز» نقلا عن مسئولين امريكيين ان الرئيس بوش لا يزال ينوي اصدار اعلان قوي بشأن ازمة الشرق الاوسط لم يتم تحديد موعده بعد. وذكرت مصادر امريكية ان من المتوقع ان يعلن باول عن مبادرته بشأن سلام الشرق الاوسط قبل ضرب افغانستان. ومن جانبه اعلن مسئول كبير في الخارجية الامريكية ان واشنطن تعتزم اعطاء دفع لجهودها في الشرق الاوسط لمناسبة انعقاد الجمعية العامة للامم المتحدة. واعلن المسئول الذي طلب عدم ذكر اسمه «لقد فكرنا في جلسة الامم المتحدة ليس كموعد لكشف خطة بل لاعطاء دفع». ومع اقتراب موعد الجلسة كان الهدف الرئيسي هو قبل كل شيء استئناف الاجتماعات بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ووزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز وهو هدف تم تحقيقه في 26 سبتمبر الماضي بعد ضغوط امريكية واوروبية. واوضح ان اعتداءات 11 سبتمبر اثرت بالتأكيد على المشاريع الامريكية ولكنها لم تؤثر على الهدف. وقال المسئول «لم نعمل تماما كما كنا سنفعل لو لم تحصل الاعتداءات الا ان المعطيات الاساسية لم تتغير». واضاف «كنا قد بدأنا ببذل جهود اكبر في الشرق الاوسط». وقال مسئولون فلسطينيون انهم يتشككون في هذه التقارير التي اوردتها وسائل الاعلام الامريكية عن ان ادارة بوش كانت مستعدة لمساندة اقامة دولة فلسطينية قبل الهجمات. وقال صائب عريقات المفاوض الفلسطيني البارز لرويترز «مازال بامكان بوش القيام بذلك الان. الوقت دائما مناسب لان يعلن بوش تأييده لاقامة دولة فلسطينية لان ذلك من شأنه تصحيح خطأ عمره 50 عاما بعدم المساعدة على تأسيس دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل». واضاف عريقات لرويترز «من الصواب دائما ان تعلن الولايات المتحدة تأييدها لاقامة دولة فلسطينية الى جوار دولة اسرائيل وفقا لحدود الرابع من يونيو عام 1967 وتكون القدس الشرقية عاصمتها». واضاف «اعتقد انه بعمل ذلك سيكون هذا اقصر طريق يؤدي الى الاستقرار والامن والسلام للجميع». وقال نبيل ابو ردينة مستشار الرئيس الفلسطيني لشئون الاعلام «من المؤكد ان هذا تطور ايجابي في الموقف الامريكي سينعكس بايجابية على التطورات في المنطقة». ورداً على تصريحات بوش قال دانيال ايالون مستشار رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون انه لا يرى تغيرا رئيسيا في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. وعندما سئل ان كانت تصريحات بوش تمثل تحولا قال «لا. لا اعتقد ذلك». وقال «اننا لا نحول دون قيام دولة فلسطينية لكن هذا امر سابق لاوانه كثيرا الان. اعتقد ان الرئيس قال ذلك. وفي الوقت الراهن يجب ان نركز على انهاء العنف». كما صرح مسئول كبير في الحكومة الاسرائيلية لفرانس برس امس ان اسرائيل مستعدة للموافقة على اعلان دولة فلسطينية ولكن حصريا في اطار اتفاق سلام شامل مع الفلسطينيين وجيرانها العرب. واشار المسئول الى ان اسرائيل ترى ان هذه الفكرة ليست «ممكنة الا في اطار اتفاق شامل ينهي النزاع بين الاسرائيليين والفلسطينيين». واضاف ان الامر يكمن في معرفة ما اذا كان عرفات مستعدا لانهاء الانتفاضة بعد عام على اندلاعها في سبتمبر 2000 والعودة الى طاولة المفاوضات. عربيا اعلن الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى امس ان الجامعة تعتبر التاييد الضمني الذي اعرب عنه الرئيس الامريكي جورج بوش لجهة اقامة دولة فلسطينية، بمثابة «خطوة في الاتجاه الصحيح». وقال موسى للصحافيين «اننا نرحب بهذه التطورات المتمثلة بتاييد الولايات المتحدة لاقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة بالاضافة الى اللقاءات التي ستعقد بين الرئيسين بوش وعرفات». وقال وزير الخارجية المصري أحمد ماهر في تصريحات خاصة لوكالة انباء الشرق الاوسط عقب عودته من الرياض ليلة امس ان اعلان هذا الموقف الواضح من جانب الولايات المتحدة والمعبر عن تصميمها على استمرار جهودها النشيطة من اجل تنفيذ توصيات ميتشيل من شأنه ان يفتح الطريق امام المفاوضات الخاصة بالوضع النهائي وانه يدعم كذلك فرص اقامة السلام العادل الذي يسعى اليه الشعب الفلسطيني وتعضده مصر. واعرب وزير الاعلام الاردني صالح القلاب لوكالة فرانس برس عن ترحيب بلاده بتصريحات الرئيس الامريكي بوش واعتبرها تمثل «موقفا جيدا». وقال القلاب «هذا موقف جيد ويعتبر ايضا تقدما امريكيا كبيرا تجاه القضية الفلسطينية وينسجم مع المباحثات التي دارت بين الملك عبد الله وبين الرئيس بوش» خلال لقائهما الاخير في واشنطن الجمعة الماضي. على صعيد متصل اكد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير على تحقيق العدل للفلسطينيين ومنحهم الفرصة من اجل تحقيق الرفاهية والرخاء على ارضهم الخاصة بهم على اساس انهم شركاء متساوون مع اسرائيل على قدم المساواة معهم. وطالب بلير بضخ مياه جديدة في عملية السلام مؤكدا انه ينبغي على الجميع الاعتراف بحق اسرائيل في الوجود حسب قوله. من جانبه قال وزير الخارجية البريطاني جاك سترو امام مؤتمر حزب العمال في برايتون (جنوب) امس ان من حق الشعب الفلسطيني ان يعيش في سلام وامان. واضاف «قليلة هي مناطق العالم التي عانت ما عانته منطقة الشرق الاوسط خلال العقود الاخيرة من اعمال ارهاب متواصلة». وتابع «لقد تعرض الشعب الاسرائيلي الى عنف مروع خلال السنوات الاخيرة ما عرض للخطر الشديد حقه في العيش بسلام وامان». واشار وزير الخارجية البريطاني وسط تصفيق مندوبي الحزب الى المؤتمر «بيد ان الشعب الفلسطيني عانى هو الآخر الكثير ويستحق هو ايضا ان يعيش بسلام وامان». ـ الوكالات