بدت مؤشرات قرب الحرب اكثر وضوحاً امس في كل من الولايات المتحدة وافغانستان حيث شارك الآلاف من جنود حركة طالبان الافغانية في مناورات على حدود باكستان بعد شن قوات الحركة هجوماً على معارضيها قرب حدود طاجيكستان، فيما بدا الاستنفار الأمني داخل امريكا واضحاً وتركز حول المنشآت الحيوية ومن بينها النووية وسط الكشف عن ان 40 من القوات الخاصة الامريكية يتعقبون اسامة بن لادن داخل الاراضي الافغانية منذ اسبوع، أعقبه إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش تحقيق انتصارات في الحرب على الارهاب، في حين اعتبر الرئيس الباكستاني برويز مشرف ان أمام طالبان أياماً معدودة. ويبدو ان الضغوط الدولية والتصدع الواضح الذي بدأت تعانيه الحركة دفعها لإعلان استعدادها لتقاسم السلطة مع زعماء القبائل في ثلاث مناطق في جنوب شرق البلاد. ووسعت اجهزة الامن الامريكية من استنفارها حيث نشرت التعزيزات المشددة في مواقعها الحيوية والاستراتيجية وحولها في كافة انحاء الولايات المتحدة بما فيها المطارات والمرافق التجارية والصناعية الحساسة اضافة لمراكز الطاقة النووية. ويسود الاعتقاد بين المراقبين بان الاجراءات المشددة تستهدف تمهيد الطريق امام الحملة العسكرية التى تعتزم الولايات المتحدة شنها على افغانستان، كما انها تؤكد المخاوف التى عبر عنها كبار المسئولين الامريكيين من احتمالات وقوع الولايات المتحدة ضحية لهجمات اضافية تخطط وتنفذ من الداخل. وتواصلت الحشود العسكرية الامريكية في هذه الاثناء وآخرها إبحار حاملة الطائرات كيتي هوك من ميناء قرب العاصمة اليابانية طوكيو وعلى متنها نحو 70 مقاتلة. وكانت تقارير كشفت امس ان الولايات المتحدة حشدت قوات واسلحة تفوق كثيرا التي اعلنت عنها وذلك للابقاء على قوات كافية لضرب دول اخرى ان تطلب الامر ذلك في المستقبل في اشارة الى العراق. لكن الخفاء يحمل احتمالات بدء الحرب بشكل غير معلن عبر قوات الكوماندوز سيما وان مصادر امريكية استبعدت القصف المكثف لافغانستان. فقد نقلت امس صحيفة «ازفستيا» الروسية عن متحدث باسم فرق العمليات الخاصة الامريكية المعروفة بفرق الضفادع» ان 40 ضفدعا بدأوا بالفعل منذ اسبوع مطاردة اسامة بن لادن وأنصاره في جبال ووديان افغانستان الوعرة، عبر الجمهوريات السوفييتية السابقة، وبمساعدة أدلاء من قوات التحالف الشمالي، الذي كشفت الصحف الروسية عن تلقيه امدادات حربية، وعتاد عسكري من روسيا عبر طاجيكستان، عبارة عن رشاشات وراجمات صواريخ ودبابات وكميات هائلة من الذخائر، هذا فضلا عن دعم امريكي مرشح لان يضاعف مئات المرات خلال ايام. وقال العقيد جيك ايجون من وحدة «الضفادع» للصحيفة ان رجاله «قادرون على العمل في كل المواقع وتحت مختلف المناخات ولا يقف في سبيلهم جبل أو واد أو شلال». وأضاف: «عناصرنا تعرف الصحارى مثلما تعرف الغابات ولن نجد انفسنا غرباء عن الجبال الموحشة في افغانستان»، ويؤكد ايجون الذي يخدم في «الضفادع» منذ عشرين عاما ان الحرب ضد افغانستان «حرب الكترونية تجسسية بالدرجة الاولى ونستطيع التعرف الان حتى على طول لحية كل افغاني يسير في الوادي أو يتمشى في القرى». واستبعد المسئول العسكري الامريكي مغادرة ابن لادن افغانستان قائلا انه «متعصب ويفضل الموت شهيداً حسب تصوره على أن يهرب منها ونحن مطمئنون الى انه باق هناك وسنصل اليه في اقرب فرصة». من جهتها قالت صحيفة (نيا اخبار) الباكستانية امس ان عناصر مخابرات امريكية مدعومة بالجنرال الافغاني اسماعيل خان الذي حارب السوفييت وحاكم ولاية هرات السابق هاجما مواقع متقدمة لقوات طالبان بولاية قندهار معقل الحركة. في مقابل ذلك سعت حركة طالبان لاضعاف التحالف الشمالي المعارض بهجوم مضاد قالت انها تمكنت خلاله من استعادة اقليم بادجيس الغربي فيما اشارت وكالة «ريا نوفوستي» الروسية ان معارك الجانبين بالدبابات اقتربت من الحدود الافغانية مع طاجيكستان. كذلك نقلت وكالة الانباء الهندية عن صحيفة «دون» الباكستانية ان الآلاف من جنود طالبان يجرون مناورات على الحدود مع باكستان التي سقطت قذائف بالقرب منها. ونقلت الصحيفة عن مواطنين افغان قولهم ان عدة الاف من قوات الحركة تشارك فى هذه المناورات التى تستخدم فيها الاسلحة الثقيلة وبينها الدبابات والمدافع والصواريخ والمدافع المضادة للطائرات. ونقلت وكالة الانباء الافغانية ان وزير دفاع طالبان الملا عبيد الله حث قواته على القتال بشراسة ضد اي هجمات. في غضون ذلك بدأ اوسع اصطفاف دولي يتبلور خلف مطلب اسقاط نظام طالبان. فبعد رئيس الوزراء البريطاني توني بلير اعلن وزير الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين امس ان اطاحة طالبان أمر مشروع. وقال لتلفزيون «فرانس 2» ان «اسبابا وجيهة تحملنا على ان نرغب في استبدال نظام طالبان بنظام يتولى ادارة شئون الشعب الافغاني بشكل افضل وحتى في علاقاته مع العالم الخارجي. وبالطبع تفاقمت هذه الاسباب منذ الاعتداءات في 11 سبتمبر الماضي التي نسبت الى مجموعة ابن لادن التي تحظى بدعم وتعاون نظام طالبان». واضاف الوزير ان «هناك عدة اساليب لتدمير (نظام طالبان) غير اطلاق حشود من القوات العسكرية». واشار فيدرين الى تحركات ضاغطة «لاضعاف هذا النظام» الذي وصفه بانه «منقسم» و«غير فاعل». واضاف لابد من ايجاد شركاء سياسيين يكون لهم صفة تمثيلية لتشكيل سلطة سياسية مقبولة تدير شئون الافغان». وقال ان «لتحالف الشمال دورا في هذا المجال لكنه محدود». وتابع «ستكون القضية تشكيل تحالف جديد قادر على حكم افغانستان بطريقة مقبولة». وكان محللون فرنسيون لم يستبعدوا في تصريحات لشبكة «بي.بي.سي» البريطانية مشاركة وحدات من القوات الفرنسية الخاصة في عمليات ضد افغانستان. وفي موقف يؤكد فك الارتباط بين اسلام اباد والحركة قال الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف في حديث مع هيئة الاذاعة البريطانية امس الاثنين ان ايام حركة طالبان الحاكمة في افغانستان معدودة. وسئل مشرف عما اذا كانت ايام طالبان في الحكم معدودة فقال «يبدو كذلك». واستطرد «يبدو ان الولايات المتحدة ستتحرك ضد افغانستان. نقلنا ذلك لطالبان». واضاف الرئيس الباكستاني «بسبب الموقف الذي اتخذته طالبان ستحدث المواجهة». وفي مؤشر واضح على التصدع الذي بدأت تعانيه اعلنت حركة طالبان استعدادها لتقاسم السلطة مع زعماء ثلاث مناطق في جنوب شرق افغانستان في وقت توصلت المعارضة الشمالية والملك الافغاني السابق ظاهر شاه لاتفاق على «مجلس وحدة» يعين رئيساً للبلاد وحكومة انتقالية وسط تحدي شاه زعيم طالبان بتأكيد عزمه العودة الى كابول. وذكرت وكالة الانباء الاسلامية المقربة من طالبان ان طالبان اعلنت موافقتها على «تقاسم السلطة» مع مجالس الوجهاء والاعيان في ثلاث مقاطعات جنوبية من افغانستان في مواجهة تنامي الدعم الذي يتلقاه الملك السابق. والمقاطعات الثلاث الواقعة جنوب شرق افغانستان هي باكتيكا وباكتيا وخوست المتاخمة كلها للحدود مع باكستان وتقطنها غالبية من البشتون. وقال احمد وحيد يار احد مسئولي نظام طالبان لفرانس برس انه «سيتم ادماج الاعيان وقادة الجهاد او ممثليهم في الهياكل الحكومية». ويعد هذا المقترح اول علامات التصدع في قبضة طالبان، المسيطرة على غالبية التراب الافغاني، على السلطة منذ خمس سنوات. وتتكون افغانستان من 32 مقاطعة يضطلع فيها قادة القبائل و«القدماء» بدور هام في ادارة شئون المجتمع. وفي المقابل جاء في بيان نشره المقربون من ظاهر شاه ان ممثلي المعارضة الافغانية لنظام طالبان والقادة العسكريين توصلوا امس في روما الى اتفاق حول انشاء «مجلس اعلى للوحدة الوطنية في افغانستان». واضاف المصدر ان هذا المجلس سيدعو بصورة عاجلة الى جمعية تضم الزعماء التقليديين التي «ينبغي ان تنتخب رئيسا للدولة وتشكل حكومة انتقالية». وفي حال استحالت دعوة الجمعية، سيكون للمجلس الاعلى سلطة تعيين رئيس للبلاد وتشكيل حكومة انتقالية، حسب ما ورد في البيان الذي تم توزيعه على الصحافيين من قبل المقربين من الملك. وقال الامير مرواس ظاهر نجل الملك الافغاني السابق في مقابلة اجرتها معه محطة «اي.بي.سي» الامريكية من روما ان «ابي يخشى الله مثلنا جميعا لكننا لا نخشى العودة الى افغانستان وانقاذ بلادنا وسنعود لان شعب افغانستان يريد عودة والدي وعودتنا ايضا لاخراج البلاد من هذه المأساة». واضاف «اذا كان (الملا عمر) زعيم طالبان يعتقد اننا لن نعود فهو مخطيء سنكون هناك باذن الله». وتابع الامير ان والده «لا يطمح» في ان ينصب مجددا ملكا على افغانستان واعتبر ان «مساعدة الولايات المتحدة ستكون مهمة جدا. اننا بحاجة الى مساعدتهم». ـ الوكالات