في اليوم التالي لأسوأ كارثة تشهدها الولايات المتحدة مازال الامريكيون يعيشون تحت وقع الصدمة لكنهم جميعاً من مواطنين الى هيئات مروراً بالكونجرس وحتى الرئاسة توحدوا في طلب وضرورة الانتقام من المنفذين والمخططين الذين أعلنت واشنطن أمس أنه تم التعرف على هوياتهم لكن لم يتم توقيف أحد منهم، وتشير غالبية التسريبات الأمريكية الى أن المنفذين من الشرق الأوسط وعلى رأسهم أسامة بن لادن. ومع انقشاع سحب «الثلاثاء الدامي» عن سماء واشنطن ونيويورك اتجهت الانظار امس الى حصيلة الضحايا التي قدرت مبدئياً بأكثر من 20 ألف قتيل والتي صنفها الرئيس جورج بوش بأعمال حرب اقسم على الرد عليها من دون التفريق بين الارهابيين الذين نفذوا الهجمات والجهات التي تؤويهم في حين قال وزير الخارجية كولن باول ان البيت الابيض والطائرة الرئاسية كانا مستهدفين مضيفاً ان واشنطن لم تحدد حتى الآن دولة بعينها للانتقام بتهمة ايواء الارهابيين لكن تصريحات غالبية المسئولين الامريكيين وقول باول ان واشنطن سألت باكستان اذا كان بإمكانها تقديم المساعدة جعل كل الأنظار تتجه الى أفغانستان خاصة بعد نشر تقارير استخبارية تتجه جميعها الى تحميل عرب ومسلمين مسئولية العمليات وتشير الى تورط نحو 50 انتحارياً منهم يشتبه بانتمائهم لتنظيم القاعدة الذي يتزعمه اسامة بن لادن الذي لم يمنع نفيه لمسئوليته من تلويح واشنطن وحلف الأطلسي ضمنياً بتوجيه ضربة لأفغانستان التي سارعت حركة طالبان لعرض التفاوض مع الادارة الامريكية حول ابن لادن. وقال باول ان بلاده تسعى لاقامة تحالف دولي جديد ضد الإرهاب بمشاركة دول حلف الناتو والدول الإسلامية. وأعلن مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (اف.بي.اي) روبرت مولر ليلة أمس انه تم التعرف على هويات منفذي الاعتداءات في نيويورك وواشنطن وعلى عدد كبير من شركائهم، لكن لم يتم توقيف احد بعد. وقال مولر خلال مؤتمر صحفي في مقر مكتب التحقيقات الفيدرالي في واشنطن «تعرفنا على هويات الخاطفين». واضاف «تعرفنا كذلك على هويات عدد من الاشخاص نعتقد انهم على صلة بعمليات الاختطاف». وعلى سؤال حول توقيف بعض الاشخاص، قال مولر «هذا ليس دقيقا» لكنه اضاف ان «اف بي اي» استجوب بعض الاشخاص في اطار التحقيق وانه تم احتجازهم لاسباب تتعلق بمخالفة قانون الهجرة. وقال وزير العدل الأمريكي جون اشكروفت أمس ان بعض الخاطفين الذين تولوا قيادة الطائرات التي استخدمت في الهجمات تلقوا تدريباً كطيارين في الولايات المتحدة. وقال اشكروفت «اربع طائرات خطفت بواسطة عدد يتراوح بين ثلاثة الى ستة أفراد للطائرة الواحدة باستخدام مدى وقواطع وفي بعض الحالات قاموا بتهديدات». وفي مداخلة خلال برنامج للقناة الاولى لتلفزيون روما قال وزير الداخلية الايطالي كلاوديو سكايولا الليلة قبل الماضية ان رئيس وزراء بلاده سيلفيو بيرلسكوني حصل على معلومات من الادارة الامريكية تقدر عدد ضحايا الهجمات الارهابية امس الاول في واشنطن ونيويورك وبنسلفانيا بأكثر من 20 ألف قتيل كما قدر الوزير الايطالي عدد منفذي هذه الهجمات بنحو 50 انتحارياً. وكان الرئيس الامريكي جورج بوش الذي عاد امس الى البيت الابيض وعقد عدة لقاءات مع مستشاريه الأمنيين قال في خطاب للأمة ان آلاف الضحايا سقطوا في هذه الهجمات. وقال رودولف جولياني عمدة نيويورك من جهته «لا نعلم بعد العدد المحدد للقتلى» في مبنى مركز التجارة العالمي لكنه استدرك بالقول «وعندما نصل الى العدد النهائي سيكون شيئاً اكبر من تحملنا.. ستكون الاعداد كبيرة للغاية» مشيراً الى فقدان 259 شرطياً ونحو 300 رجل اطفاء بينهم مسئولون في هذا الجهاز. بوش الذي كان مسئول في البيت الابيض نقل انه اقسم على محاسبة مدبري الهجمات الارهابية وجه تهديداً مبطناً لأفغانستان بقوله في خطابه «لن نفرق بين الارهابيين الذين نفذوا هذه الاعمال وبين الذين يؤونهم». وقال بوش بعد الاجتماع مع فريق الامن القومي في البيت الابيض «الهجمات المتعمدة والقاتلة التي نفذت امس الاول ضد بلادنا كانت اكثر من عمليات ارهاب. كانت عمليات حربية». واضاف «هذه المعركة ستسغرق وقتا وتتطلب عزيمة ولكن من المؤكد اننا سننتصر». وقال بوش انه سيبعث بطلب تمويل عاجل الى الكونجرس للمساعدة في مواجهة اثار الهجمات. غير أن الرئيس يحتاج إلى موافقة من الكونجرس لكي يعلن الحرب رسميا، وهو لم يشر إلى أنه يطلب ذلك. وقال بوش «إننا نواجه عدوا مختلفا عما واجهناه في السابق على الاطلاق. هذا العدو يتخفى في الظلمات ولا يعتد بحياة الانسان». وقدم اعضاء الكونجرس الامريكي بالاجماع دعما غير مشروط للرئيس جورج بوش ووعدوا باجراءات ثأرية قاسية ضد المسئولين عن الاعتداءات. وقد استأنف مجلسا النواب والشيوخ في ظل تدابير امنية مشددة أعمالهم صباح امس الاربعاء وسوف يتبنون خلال النهار بالتوقيت المحلي قرارا مشتركاً يدين الاعتداءات في نيويورك وواشنطن. وسوف يدين هذا القرار المشترك بـ «أشد العبارات» الاعتداءات ويؤكد على دعم اعضاء الكونجرس للرئيس جورج بوش بالاضافة الى تقديم التعازي للضحايا ووعد بتعقب منفذي الاعتداءات والقاء القبض عليهم. وما عزز اتجاه بوصلة الاتهامات الامريكية الى كابول توالي تقارير الصحف الامريكية أمس في هذا الاتجاه. واكد مسئول في وزارة العدل الامريكية امس ان التحقيق يتقدم «بسرعة كبيرة». وقال المسئول الذي فضل عدم كشف هويته «التحقيق يتقدم بسرعة كبيرة» دون تقديم المزيد من التوضيحات. وأوردت صحيفة بوسطن هيرالد التي تغطي المدنية التي أقلعت منها طائرتان مخطوفتان وتحطمتا، أن الشرطة قد عثرت على أوراق باللغة العربية في احدى السيارات التي كانت مستأجرة في المطار. وتضم هذه الاوراق كتيب توجيه للطيارين ربما كان استخدمه أحد الخاطفين. وقالت الهيرالد نقلا عن مصادر لم تحددها أن المسئولين قد حددوا هوية خمسة أشخاص عرب على أنهم مشتبه فيهم، من بينهم طيار مدرب. وعلى الاقل فقد طار شخصان من الاشخاص الخمسة من بورتلاند في ولاية ماين إلى بوسطن صباح الثلاثاء. وكانت حقيبة أحد هؤلاء الاشخاص تركت في مطار لوجان بعد سفره، حيث عثرت الشرطة فيها على نسخة من القرآن وشريط فيديو حول تشغيل الطائرات التجارية وآلة حاسبة لحساب استهلاك الوقود، وفقا لما ذكرته الصحيفة. وفيما يتعلق بصلة ابن لادن بالحادث أوردت صحيفة «الواشنطن بوست» «ان حكومة الولايات المتحدة لديها أدلة قوية من عدة مصادر أن الارهابيين الانتحاريين الذين شنوا هجمات الثلاثاء المفجعة في نيويورك وواشنطن مرتبطين باسامة بن لادن». وقالت شبكة «سي.إن.إن» الاخبارية أن مسئولي مكتب التحقيقات الفدرالية أطلعوا أعضاء الكونجرس على خطوط مماثلة. ونقلت «واشنطن بوست» عن أحد كبار المسئولين الامريكيين قوله أن احتمال أن يكون ابن لادن هو مدبر الانفجار هو احتمال عال للغاية يصل إلى «نسبة التسعينات في المئة». وقال مسئول أمريكي آخر أن هناك أدلة جديدة تم العثور عليها من قبل وكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالية «تشير بشدة» إلى تورط منظمة القاعدة الارهابية التابعة لابن لادن في الحادث. ونقل عن مسئول أمريكي قوله «أن الامر يتجاوز التخمين التحليلي في أن تدبير هجوم مثل ذلك يجب أن يصدر عن منظمة لديها قدرات قيادة وتحكم غير عادية، وهو ما يملكه بن لادن». وتابع «هناك معلومات أخرى تم الحصول عليها بعد الهجوم على مركز التجارة العالمي تشير في اتجاه بن لادن». كذلك قال فرانك فالتر شتاينماير وزير شئون المستشارية الألمانية في مؤتمر صحفي ان وكالات المخابرات الالمانية تشاورت مع مثيلاتها في اسرائيل وفرنسا وبريطانيا وانها اجمعت على ان قرائن تشير الى ابن لادن. وقال شتاينماير ان «تكرار الهجوم على مركز التجارة العالمي ينم بطرق عدة عن ان المهاجمين مرتبطون بشبكة اسامة بن لادن» مشيرا الى الهجوم الذي تعرض له المركز في عام 1993. واضاف المسئول الالماني «لكن ايا من الوكالات غير متأكدة من ذلك». لكن صحيفة «خبرين» الباكستانية نقلت نفي ابن لادن اي مسئولية له عن الهجمات مشيراً الى جماعات امريكية بالقول «مثل هذا الهجوم لا يمكن ان ينفذ دون دعم بعض الوكالات الحساسة في الولايات المتحدة». واثر هذه التهديدات سارع الملا عبدالسلام ضعيف سفير حركة طالبان الافغانية في اسلام اباد لعرض التفاوض مع واشنطن. وصرح ضعيف للصحفيين قائلا «إننا مستعدون للتفاوض مع الولايات المتحدة حول مصير ابن لادن، ولكن على الولايات المتحدة أن تقدم لنا أولا أدلة كافية». وقال «سندرس هذا الدليل، ثم تعقد مفاوضات (أخرى)»، مؤكدا أن واشنطن لم تتهم أسامة بن لادن رسميا. وأضاف أن حركة طالبان الاسلامية لا تتوقع أن توجه الولايات المتحدة ضربات انتقامية ضد أفغانستان، «ولكننا لا نستبعد ذلك». وقال «إذا حدث ذلك، فإنه سيكون خطأ كبيرا من جانب الولايات المتحدة. إننا لسنا خائفين من هجوم أمريكي. وشعب أفغانستان متحد ويساندنا». من ناحية أخرى، ذكرت مصادر من الامم المتحدة أن المنظمة الدولية بدأت «الاربعاء» في إجلاء موظفيها الدوليين والمحليين عن أفغانستان. وفيما ادان مجلس الامن الدولي الليلة الماضية الهجمات التي تعرضت لها الولايات المتحدة قال جورج روبرتسون امين عام حلف شمال الأطلسي ان الحلف بدأ من جهته بحث «عمل عسكري انتقامي محتمل» من دون تفصيلات. وعد الاتحاد الاوروبي أمس بمساعدة الامريكيين في التعرف على المسئولين عن الاعتداءات و«معاقبتهم» كما جاء في بيان صدر في ختام لقاء استثنائي لوزراء خارجية دول الاتحاد. وجاء في البيان «ان الاتحاد الاوروبي يدين بحزم كبير مرتكبي هذه الاعمال الهمجية والمخططين لها. ان الاتحاد والدول الاعضاء لن يبخلوا بأي جهود للمساهمة في التعرف على المسئولين واحالتهم على القضاء وانزال العقوبات فيهم: ان الارهابيين والمسئولين عنهم لن يجدوا اي مكان يؤويهم». وعبر اعضاء الاتحاد الاوروبي «عن تضامنهم الكامل مع الحكومة والشعب الامريكيين في هذه الظروف المأساوية» وطلبوا «من جميع الاوروبيين الوقوف ثلاث دقائق صمت ظهر الجمعة 14 سبتمبر» واعلنوا «الرابع عشر من سبتمبر 2001 يوم حداد». وكان وزير الخارجية الامريكي كولن باول قال في تصريحات تلفزيونية امس ان «الشعب الامريكي يفهم بوضوح انها حرب وعلينا التعامل معها كحرب». لكن وزير الدفاع الفرنسي آلان ريشار قال امس لراديو فرانس انتر «لا تستطيع ان تأخذ قراراً بشأن عملية عسكرية دون ان تأخذ في الحسبان جميع المتغيرات الآن هو وقت العواطف وذلك امر مشروع الا انني احذر من السقوط في اسر سيناريوهات خيالية تماماً». وكان القضاء الفرنسي بدأ أمس تحقيقاً في «مخطط ارهابي» يتعلق بتهديدات ضد مصالح امريكية في فرنسا. الى ذلك اكد رئيس شرطة نيويورك برنارد كيريك انه تم توقيف ثلاثة اشخاص على متن شاحنة عند اطراف نيويورك لكن الشاحنة لم تكن تحتوي على متفجرات خلافاً لمعلومات ذكرتها في وقت سابق شبكة التلفزة الامريكية سي.بي.اس-2. وقال خلال مؤتمر صحفي «كان هناك ثلاثة اشخاص على متن الشاحنة لكن ليس متفجرات». وكانت صحفية في الشبكة قالت نقلاً عن مصادر موثوق بها من الشرطة ان «الشاحنة كانت تحتوي على كمية كافية من المتفجرات لتفجير الجسر المعلق برمته» والمسمى جورج واشنطن. وانتقل الخوف الى خارج حدود الولايات المتحدة، حيث ألغى الجيش الروسي مناوراته وتجمعاته السياسية، كما تم اخلاء ناطحات السحاب في فرانكفورت وماليزيا. الوكالات


