الكارثة التي ضربت الولايات المتحدة فضحت اكبر واعظم دولة في العالم. اذ بانت أمريكا أمام الشعوب قاطبة مجرد «نمر من ورق»، فالدولة الأعظم بدت بكل جبروتها العسكري والأمني عاجزة تماما، وعلى نحو يثير الشفقة أمام تعدد العمليات الصباحية وتوقيتها ودقة اصابتها لأهداف منتقاة ذات حيوية بالغة في المجتمع الأمريكي بالاضافة الى الخسائر التي حققتها. بغض النظر عن مصدر العمليات ومشروعيتها يبقى الثابت ان الأمريكيين افاقوا صباح الأمس على كابوس حقيقي لا يتجسد فقط في الرعب الذي اجتاح المدن الأمريكية وإنما لأنهم كذلك استيقظوا على حقيقة مفجعة اذ صدمتهم هشاشة المنظومة الأمنية داخل أكبر امبراطورية في العالم. فالخسائر الفعلية ليست قاصرة على انهيار برجي مركز نيويورك التجاري وما لحق بالبنتاجون والكونجرس ووزارة الخارجية. فتلك على فداحتها يمكن تجاوزها غير ان الضربة القاصمة تتمثل في تلك التي لحقت بهيبة الدولة الأمريكية التي انهال عليها ركام غير قليل من برجي نيويورك. اجهزة الأمن الامريكية التي كانت حتى الأمس ذات سطوة قابضة على العالم برمته فقدت بريقها، فالطائرات التي نسجت الكارثة اخترقت أجهزة الأمن حين اقلعت وحين ضربت. لكن العمليات الارهابية لم تفضح عجز الأمن الامريكي وحده بكل ما يملك من تقنية في مجال التصدي أو المباغتة والرد وتقنية معلومات متطورة. فحين طالت العمليات الجوية البنتاجون فانما ضربت امريكا في كبدها العسكرية. لقد تابع العالم على الهواء العجز الذي اصاب الدولة الأمريكية بكل بنيانها وشاهد الفوضى التي اجتاحت أمريكا على الصعيد الرسمي كما اجتاحت الشارع العام. لو أن ما حدث كان في دولة من العالم الثالث لما امتدت الحيرة خارج حدود تلك الدولة غير أن الدهشة مست الاقطار كلها بمختلف مستوياتها وانتماءاتها. لم يكن من المنظور ان تظهر أمريكا وكأنها تواجه عدواً من خارج الكرة الأرضية. فرغم ان هوليوود قدمت مجموعة أفلام في سياق الخيال العلمي تتعرض فيها أمريكا الى غزو من مخلوقات فضائية وقد حرصت هوليوود على أن تكرس انتصار الأمريكي في تلك الافلام فإن الفيلم الواقعي الذي عايشه سكان الولايات المتحدة صباح الامس كشف عجز أمريكا ازاء حتى اكتشاف العدو الذي هبط ارض أمريكا واستقل طائراتها وضربها في مفاصل استراتيجية. هذا العدو غير المرئي ليس وهميا ولم يهبط من الفضاء كما أنه ليس طليعة عسكرية لدولة تريد احتلال أمريكا وانما يعكس جانبا ارهابيا ثأرياً وهو بهذا المنظور لا يخرج في بنيته وادائه عن كون صنيعة للسياسة الأمريكية وثمرة مرة لها. ومن هنا يكون الدرس الصباحي البليغ الذي يمكن ان تستخلصه ادارة بوش هو ضرورة الانفتاح على المناطق التي تشكل بؤرا ساخنة او كامنة للارهاب ومعالجتها بقسطاس عادل عقلاني شامل بدلا عن سياسة الكيل بمكيالين. فقد كشف الثلاثاء الدامي الذي عايشه الشعب الأمريكي ان الجغرافيا وحدها لا تمنح الأمن وان العالم لم يصبح قرية صغيرة بمعايير ثورة المعلومات وحدها. نحن ندين كافة أشكال العنف السياسي، ونحن على قناعة بأن الارهاب لا يصلح لغة للحوار والاقناع مثلما لا يصنع مستقبلاً. ونعوّل على أن تدرك الادارة الأمريكية بعد ان شب حريق الارهاب على هذا النحو المأساوي داخل بيتها بأن ابرياء لا حصر لهم يدفعون حياتهم لنار الارهاب ومن ثم تتصدى لدورها كأقوى دولة فتعمل على اطفاء نار شارون التي يتلظى بها الفلسطينيون منذ مجييء هذا السفاح.