فشلت ضغوط الابتزاز الامريكي والاسرائيلي على الوفود المشاركة في مؤتمر دوربان بجنوب أفريقيا لمكافحة العنصرية في انتزاع أي تراجع عن المطالبة بإدانة عنصرية اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، وأسفر نجاح مقاومة هذه الضغوط عن لجوء الوفدين الأمريكي والاسرائيلي إلى اعلان انسحابهما من المؤتمر وهو ما رحبت به السلطة الفلسطينية واعتبرته هزيمة لحكومة الارهابي ارييل شارون. فيما اكد عمرو موسى الامين العام للجامعة العربية على ضرورة اصدار اعلان متوازن في البيان الختامي للمؤتمر حتى لا يتعرض للفشل. وسحب وزير الخارجية الامريكي كولن باول أمس الاثنين وفد بلاده المشارك في مؤتمر دوربان. وقال باول في بيان تلاه مسئول امريكي في دوربان «اصدرت تعليماتي الى ممثلينا في المؤتمر العالمي بالعودة الى الوطن». وكانت الولايات المتحدة خفضت مستوى تمثيلها في المؤتمر الذي تستمر اعماله اسبوعا احتجاجا على محاولات ادانة اسرائيل بوصفها دولة عنصرية وحذرت من انها قد تنسحب من المؤتمر. وقد تم الاعلان عن هذا الانسحاب اثر عدم التوصل إلى سحب «عبارة كريهة» التي استخدمت في وثائق المؤتمر حسب بيان باول. واتخذ قرار الانسحاب بعد محاولة فاشلة من النرويج لايجاد تسوية في اللحظة الأخيرة. الى ذلك قال توم لانتوس عضو الكونجرس والوفد الامريكي انه من المستحيل ان يستمر الوفد الامريكي في حضور المؤتمر. واضاف لانتوس عضو الحزب الديمقراطي الامريكي للصحفيين في دوربان «يبدو انه على الرغم من المساعي غير العادية التي تبذلها الحكومة الامريكية سيتبين ان من المستحيل على الوفد الامريكي ان يستمر في المشاركة في هذا المؤتمر». وفي خطوة مماثلة اعلن وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز انسحاب وفد بلاده من مؤتمر دوربان معللاً ذلك بـ «اللغة التي تدين السياسات الاسرائيلية ضد الفلسطينيين وتصفها بالعنصرية». وقال بيريز للصحفيين في القدس المحتلة «اصدرنا تعليمات لوفدنا في دوربان بالعودة. نأسف كثيرا على هذا العرض الغريب في دوربان. انه مؤتمر مهم يفترض ان يهدف للدفاع عن حقوق الانسان فصار مصدرا للكراهية». وارسلت اسرائيل وفدا على مستوى متدن الى مؤتمر دوربان احتجاجا على اللغة التي دعا اليها العرب باتهام اسرائيل بالفصل العنصري وبارتكاب جرائم ضد الانسانية. ووصف بيريز النشاطات التي تجري في مؤتمر جنوب افريقيا بأنها «محاولات لا تعقل لتشويه صورة اسرائيل». وكان موردخاي ياديد رئيس الوفد الاسرائيلي في المؤتمر قد هاجم كلمات الوفود العربية دون الاشارة اليها نصاً وادعى في كلمته امام المؤتمر ان «بيان الرئيس الفلسطيني مليء بالكراهية». وقال ان «من يدعون انهم مناهضون للصهيونية وليسوا معادين للسامية كذابون» مشيرا الى ان الصور الكاريكاتورية التى تنشر في الصحافة تمثل «اعادة لبعض صور معاداة السامية» وقال ان هناك فرقاً بين انتقاد دولة او حكومة وانكار حق اليهود في وطن وهذا الموقف معاداة للسامية. وكرر ما اسماه بقصص الابادة الجماعية لليهود والتى يتم ترديدها في كل مكان بالمؤتمر بمناسبة او غير مناسبة. وادعى أن هذا المؤتمر شهد محاولة شريرة لتفريغ كلمة المحرقة النازية من معناها كرسالة للبشرية بأسرها مشيرا الى أن هذه المحاولات تعد عنصرية وأكثر شرا من فعل المحرقة نفسها. وذكرت شبكة «سي.ان.ان» الاخبارية نقلا عن مصادر رسمية أمريكية في دوربان بجنوب افريقيا وفي واشنطن أن بيانا سوف يصدر في وقت لاحق يتضمن بصفة رسمية اسباب القرار الأمريكى بالانسحاب من المؤتمر. واضافت الشبكة أن الولايات المتحدة واسرائيل وعددا آخر من الدول الأوروبية قابلت صياغة مسودة وثيقة المؤتمر بالاعتراض والغضب الشديد بسبب تضمنها اتهاما لاسرائيل بالعنصرية وشن حرب ابادة جماعية ضد الفلسطينيين ووصفها بأنها حكومة أبارتهايد تشبيها لها بنظام الفصل العنصرى السابق في جنوب افريقيا وكذلك بسبب ما تضمنته مسودة الوثيقة من الدعوة لانشاء محكمة عالمية خاصة للنظر في معاملة اسرائيل للفلسطينيين. ومن ناحية أخرى أبلغت مصادر في وفد جنوب افريقيا في مؤتمر دوربان شبكة «سي.ان.ان» الاخبارية أنه لا توجد في الواقع مثل هذه اللغة التى قال الوفد الأمريكى انه سينسحب بسببها وذلك لأن الوثيقة نفسها «لم» تتم صياغتها حتى الآن. ونقلت الشبكة الامريكية الاخبارية عن أحد أعضاء الوفد الفلسطينى الحكومى في المؤتمر أن هذه الوثيقة صادرة عن وفود المنظمات غير الحكومية ولا تعد رسمية وأنهم كوفد حكومى لهم وثيقتهم الخاصة بهم التى ستصدر عنهم لاحقا. كما نقلت الشبكة ايضا عما أسمته مصادر في الأمانة العامة للمؤتمر التابعة للأمم المتحدة برئاسة مارى روبنسون مفوضة المنظمة الدولية لحقوق الانسان القول بأنه من المستحيل «على حد تعبير المصادر» أن تؤيد روبنسون نوعية اللغة المقترح ادخالها في الوثيقة الرسمية والمستقاة من وثيقة المنظمات غير الحكومية المزمع تقديمها للأمم المتحدة اليوم. ووصفت الشبكة كل هذه التطورات بأنها تأتى على حد السكين طبقا لتعبيرها بمعنى ان كل التأكيدات بأن هذه اللغة لا تعبر عن اتفاق الوفود الرسمية جاءت بعد حدوث التوتر بالفعل من جراء ما توقعته واشنطن حول هذا الأمر وسبق أن هددت به من أنها سوف تنسحب اذا لم تجد اللغة المستخدمة في مشروع الاعلان مقبولة لها. واوضحت شبكة «سي.ان.ان» أن ثمة لبسا حول هذه المسألة يرجع الى أن هناك اعلانا صدر بالفعل بالاجماع ومصحوبا بتصفيق حاد عن ممثلى المنظمات غير الحكومية وتضمن لغة معادية لاسرائيل وهو غير المؤتمر الرسمى المنعقد برعاية الأمم المتحدة والذى تعكف الوفود المشاركة فيه حاليا على مستوى وزراء الخارجية على صياغة اعلانه الختامى وهذا الاعلان هو وحده الذى سيعد الوثيقة الرسمية التى تحمل اسم الأمم المتحدة وتعبر بصفة رسمية عن آراء الوفود بالاجماع. وأضافت الشبكة ان المشكلة هى أن وثيقة المنظمات غير الحكومية سوف يتم ادراجها وتضمينها هى نفسها ضمن سجلات المؤتمر الرسمى ولكن ليس ضمن وثائق المؤتمر الذى يمثل الوفود الرسمية. من جانبه أكد عمرو موسى الأمين العام للجامعة العربية استمرار المشاورات المكثفة بين المجموعة العربية في المؤتمر والمجموعتين الافريقية والاسلامية ورئاسة المؤتمر والاتحاد الاوروبى بهدف خروج المؤتمر ببيان متوازن في الاعلان الختامى. وأشار موسى في تصريحات له ردا على اسئلة الصحفيين الى أن اى اعلان غير متوازن يصدر عن المؤتمر سوف يفشل. وأوضح موسى أن ناميبيا ستشارك النرويج في طرح ورقه على الجانب العربى تتضمن المقترحات اللازمة لاصدار بيان متوازن في نهاية أعمال المؤتمر مؤكدا أهمية أن يتضمن البيان الختامى ادانة العنصرية في أى مكان وفي كل زمان. وردا على سؤال حول مااذا كان هناك اتجاه في المؤتمر نحو تقليل الفقرات التى تشير الى الممارسات العنصرية الاسرائيلية في الاراضى الفلسطينية قال موسى هذا من الممكن أن يتم. وأعرب موسى عن اسفه لقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من المؤتمر الدولى الثالث لمكافحة العنصرية. كما اعرب موسى في تصريح له تعقيبا على الانسحاب الامريكى عن اعتقاده بأن المؤتمر لن ينهار وقال «انه كان من الواجب على الولايات المتحدة ان تستمر في هذه العملية الديمقراطية» مؤكدا ان الدول العربية والاسلامية قد حاولت انجاح المؤتمر ولكن ليس على حساب المباديء. واضاف ان الاسلوب الذى تمت به عملية الانسحاب غير مقبول. وقد عقدت المجموعة الاسلامية والمجموعة العربية اجتماعات على هامش المؤتمر لتنسيق المواقف ومناقشة الاقتراحات التى يقدمها الجانب العربى بشأن البيان الختامى للمؤتمر وما يتضمنه من فقرات عن الوضع في الشرق الاوسط. من جانبه رأى وزير الخارجية المصري احمد ماهر ان انسحاب واشنطن وتل ابيب دليل على انعزال التيار الذى تحاول كل من اسرائيل والولايات المتحدة فرضه على المؤتمر والعمل على امتناع المؤتمر المنعقد من أجل مكافحة العنصرية والتمييز العنصرى وكراهية الاجانب وحقوق الانسان عن تناول قضية صارخة من القضايا التى يتعرض فيها شعب بأكمله للاضطهاد بسبب هويته وحرمانه من حقوقه الاساسية من حقه في الحياة الى حقه في اقامة دولته المستقلة. الوكالات