ألقت واشنطن بكل ثقلها خلف مجازر اسرائيل وأعلنت على لسان رئيسها جورج بوش ان وقف الانتفاضة هو الأساس قبل الحديث عن اي وقف للعدوان الاسرائيلي أو استئناف المفاوضات، وعلى الفور ترجمت اسرائيل هذا الموقف، معلنة انها «لم تعد مستعدة لضبط النفس»! وواصلت جرائمها المتنوعة أمس متوعدة بإعادة احتلال الخليل بعد اجتياحه ليلة أمس الأول. ورغم الدعم الصيني المطلق الذي حصل عليه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات لارسال مراقبين دوليين للأرض المحتلة إلا ان مندوبه في الأمم المتحدة أعلن انه تم التخلي عن مشروع القرار الذي يدعو مجلس الأمن إلى ارسال هؤلاء المراقبين بفعل تهديد واشنطن باستخدام الفيتو. ونتيجة للانحياز الأمريكي والتردد الأوروبي والصمت العربي تستعد السلطة الفلسطينية لبدء البحث في تشكيل حكومة طوارئ لمواجهة العدوان الاسرائيلي المتزايد الذي أسفر حتى أمس بلسان رئيس أركان العدو عن استشهاد 600 واصابة عشرة آلاف واعتقال 1200 فلسطيني منذ بدء الانتفاضة في سبتمبر الماضي. وفي تبنٍ كامل للعدوان الاسرائيلي دعا الرئيس الأمريكي جورج بوش أمس الرئيس ياسر عرفات الى بذل كافة الجهود من اجل وقف العنف ومن دون ذلك فلن يكون ممكنا اجراء اي حوار مع اسرائيل. واعلن الرئيس بوش خلال مؤتمر صحفي عقده في كراوفورد بولاية تكساس ان اسرائيل اعلنت بوضوح انه لن يكون هناك مفاوضات تحت تهديد العنف، مضيفا «اذا كان عرفات يريد حوارا فاني احثه كثيرا ان يحث «الارهابيين» الفلسطينيين على وقف عملياتهم «الانتحارية» والهجمات والتهديدات». وقال بوش اعتقد ان بامكان عرفات ان يفعل اكثر من ذلك، ومقابل الانتقاد التام للفلسطينيين وتحميلهم المسئولية فقط دعا بوش ايضا رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون الى ضبط النفس على جميع الجبهات ازاء الفلسطينيين. ولكنه شدد بوضوح على الدور الذي يلعبه رئيس السلطة الفلسطينية الذي لم يلتقيه بعد. واضاف «اذا كانوا مهتمين كثيرا باجراء حوار فيتوجب عليهم القيام بكل ما في وسعهم من اجل وضع حد لهذا «النشاط الارهابي» الذي تصاعد خلال الاشهر الماضية» مكررا التأكيد من جهة اخرى على دعم الولايات المتحدة للتوصيات السلمية الواردة في تقرير لجنة ميتشيل. واوضح «اذا لم يتوقف» العنف كليا فيجب «على الاقل بذل جهود كلية من اجل التوصل الى هذا الوقف. لم نر بعد هذه الجهود الكلية». وردا على سؤال محدد حول الهجوم الذي شنته اسرائيل في الخليل التي تتمتع بالحكم الذاتي الفلسطيني ليل الخميس الجمعة، كرر بوش الاعراب عن امله في ان «يضبط الاسرائيليون النفس على جميع الجبهات». واعتبر بوش بشكل عام ان اي حوار «يتطلب ان تكون هناك رغبة من جميع المشاركين فيه. يجب ان يتخذوا قرارا». ومدعوماً بالضوء الأخضر الأمريكي أعلن وزير الحربية الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر للتلفزيون الاسرائيلي أمس ان التوغل الذي قام به الجيش الاسرائيلي ليل الخميس الجمعة في الخليل يثبت ان اسرائيل لم تعد مستعدة لضبط النفس تجاه الفلسطينيين. وفي المقابل انتزع عرفات دعماً مطلقاً من الرئيس الصيني جيانج زيمين لارسال المراقبين الدوليين. ونقل التلفزيون الصيني عن زيمين قوله خلال اجتماع مع عرفات «ان الشعب الصيني سيكون دائما الصديق الحقيقي للبلدان العربية ولا سيما الشعب الفلسطيني. سنواصل دعم الكفاح العادل للفلسطينيين من اجل حقوقهم المشروعة». كما جدد الرئيس الصيني دعم بكين مساعي الاسرة الدولية لتسوية النزاع بطريقة سلمية ونشر مراقبين دوليين في الشرق الاوسط كما يطالب بذلك الفلسطينيون وترفضه اسرائيل. وقال عرفات لرويترز ردا على سؤال حول مدى استعداد طرفي الصراع للعودة الى المفاوضات نحن مستعدون في كل وقت لكنهم يرفضون كما تعلمون. وادلى عرفات بهذه التصريحات بعد لقائه مع لي بينج رئيس مؤتمر الشعب الوطني «البرلمان» الصيني والرجل الثاني في قيادة الحزب الشيوعي لاطلاعه على الوضع في الشرق الاوسط. وسئل عرفات عما بحثه مع لي فقال: الكثير .. كل الوضع الذي نعاني منه وخاصة هذه الايام مع هذا الوضع الذي تنفذ فيه انشطة عسكرية من الجانب الاسرائيلي ضدنا. والتزمت بكين الحياد الى حد كبير في سياستها تجاه الشرق الاوسط لموازنة علاقاتها بين حلفائها العرب القدامى وبين اسرائيل التي تعد من اكبر موردي السلاح لها. لكن البعض يربط بين انتقادات بكين الاخيرة لاسرائيل وبين الغاء اسرائيل العام الماضي تحت ضغط امريكي صفقة قيمتها 250 مليون دولار كانت ستحصل الصين بموجبها على نظام فالكون الراداري للانذار المبكر. ويقول دبلوماسيون ان اسرائيل تريد من الصين ان تبلغ عرفات انه يجب ان ينهي اعمال العنف ضد اسرائيل قبل العودة الى مائدة المفاوضات. ورغم الدعم الصيني أعلن المندوب الفلسطيني لدى الامم المتحدة ناصر القدوة أمس ان الفلسطينيين تخلوا عن مشروعهم القاضي بالطلب الى مجلس الامن الدولي التصويت فورا على قرار حول الازمة في الشرق الاوسط. وقال بعد مشاورات اجراها مندوبو دول عدم الانحياز الثماني في المجلس لقد تقرر عدم مواصلة هذه الخطوة في الوقت الراهن. وكان رئيس مجلس الامن الدولي لشهر اغسطس الفونسو فالديفيسو قد اعلن في وقت سابق ان المجلس لم يتمكن من اتخاذ قرار يتعلق بالازمة بين الاسرائيليين والفلسطينيين واضاف اثر اجتماع مغلق حول النزاع لم يتم التوصل الى اي اتفاق حول الطريقة التي يمكن معها الوصول الى نتيجة ما. وفيما يترقب الجميع لقاء عرفات المحتمل مع وزير الخارجية الاسرائيلي شيمون بيريز نقلت صحيفة «معاريف» العبرية أمس عن مصادر فلسطينية وصفتها بالرفيعة القول ان الرئيس الفلسطيني لن يتمكن من اتمام هذا اللقاء حال مواصلة جيش الاحتلال محاولات اغتيال مسئولين في السلطة الفلسطينية. وانتقد احمد عبدالرحمن امين عام مجلس وزراء السلطة الوطنية الفلسطينية الولايات المتحدة لمعارضتها طلب الفلسطينيين من مجلس الامن الموافقة على ارسال مراقبين دوليين وشكك المسئول الفلسطيني في تصريحات للصحفيين أمس في جدوى عقد اجتماع مقترح بين عرفات وبيريز في ضوء العدوان الاسرائيلي. واكد ان الغارتين اللتين شنتهما اسرائيل على الخليل ومخيم دير البلح دليل على ان حكومة شارون لا تضع السلام على جدول اعمالها. واوضح بأنهم لا يرون اي هدف او جدوى من الالتقاء بأي مسئول اسرائيلي سواء كان بيريز ام غيره وسواء كان اجتماعا سياسيا او امنيا. وانتقد عبدالرحمن الولايات المتحدة بأنها اصبحت العائق الاكبر امام قيام مجلس الامن الدولي باصدار قرار ينهي العدوان الاسرائيلي على الفلسطينيين ويرسل قوات حماية دولية الى المنطقة. وناشد عبدالرحمن واشنطن تعزيز دورها في التوسط لوضع نهاية للصراع مؤكداً انه بدون ضغط امريكي وبدون دور حازم لوقف الحرب الاسرائيلية ضد الفلسطينيين يبقى الحديث بلا هدف. غير ان احتمالات عقد هذا اللقاء بدأت في التلاشي مع تصعيد شارون لعدوانه ونقله إلى مرحلة جديدة. فقد شن جيش الاحتلال الليلة قبل الماضية أضخم اجتياح لحي أبو سنينة في مدينة الخليل التابع للسلطة بعدد كبير من القوات الخاصة ونحو عشرين دبابة ومجنزرة مسنودة بغارات شنتها المروحيات الاسرائيلية. وتصدى أفراد الشرطة والمقاومة الفلسطينية لهذا الاجتياح ببسالة وعلى مدار ست ساعات تمكنوا خلالها من دحر الغزاة الذين توغلوا لمسافة ستة كيلومترات، وهو أعمق توغل منذ بدأ الانتفاضة ما أسفر عن اصابة 12 فلسطينياً بينهم شرطي في حال الخطر مقابل اصابة جندي اسرائيلي. وقال عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح والنائب في المجلس التشريعي الفلسطيني «لقد بلغت الجريمة حدا لا يطاق وان الاوان ان يقتنع العالم ان اسرائيل لا تريد السلام». واضاف زكي الذي وصل مع مئات اخرين من المواطنين لتفقد اثار التوغل الاسرائيلي في حي أبو سنينة ليس امام شعبنا من خيار سوى استمرار المقاومة وعلى السلطة الوطنية ان ترقى الى مستوى المسئولية وتتخذ كافة الاجراءات لحماية الشعب الفلسطيني، وقال في اشارة الى انسحاب الجيش الاسرائيلي لقد خرجوا وهم يصرخون بفعل المقاومة. وهدد 3 مسئولين عسكريين اسرائيليين كبار وأحد السياسيين السلطة الوطنية الفلسطينية باحتلال الاجزاء الخاضعة لسيطرتها الكاملة فى مدينة الخليل والبقاء فيها بصورة دائمة اذا استمر الفلسطينيون فى مقاومة الاحتلال الاسرائيلي. وقال رئيس اركان جيش الاحتلال شاؤول موفاز فى حديث لاذاعة جيشه ان الجيش على اهبة الاستعداد للعمل بمختلف الوسائل ضد الفلسطينيين اذا واصلوا اطلاق النار من حي ابو سنينة فى مدينة الخليل على البؤر الاستيطانية اليهودية فى المدينة. من جانبه قال نائب رئيس الاركان الاسرائيلي الميجر جنرال موشي يعلون فى تصريح مماثل انه لا يستبعد عودة قوات الجيش الاسرائيلي الى مهاجمة حي ابو سنينة لغرض البقاء فيه اذا اقتضت الضرورة ذلك. وعلى الصعيد نفسه هدد قائد قوات الاحتلال فى الضفة الغربية جيري اسحق بأن جيش الاحتلال سيدخل بعض المناطق الفلسطينية ويبقى فيها بصورة دائمة اذا استأنف الفلسطينيون اطلاق النار على قوات الاحتلال. واتهم مسئول اسرائيلي رفيع أمس الفلسطينين بشن «حرب استنزاف» ضد اسرائيل مؤكدا ان بلاده «مصممة على الانتصار» وذلك اثر التوغل في الخليل، وصرح دور جولد المستشار الدبلوماسي لرئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون لوكالة فرانس برس «ان هذه العملية عبارة عن رسالة واضحة للفلسطينيين تعني اننا مصممون على الانتصار في حرب الاستنزاف التي فرضت علينا». ووصف المسئول التوغل بأنه من باب «الدفاع عن النفس» واكد ان الاتفاقات المبرمة في يناير 1997 حول انسحاب اسرائيل الجزئي من الخليل تسمح بهذه التوغلات في حال وقوع هجمات فلسطينية. وشدد على ان هذه الاتفاقات تمنع وجود فلسطينيين مسلحين على تلة ابو سنينة التي احتلها الجيش الاسرائيلي. واضاف السفير السابق لاسرائيل لدى الامم المتحدة على الفلسطينيين ان يعلموا ان الجيش الاسرائيلي لن يبقى مكتوف الايدي عندما يطلق الرصاص على جنوده. وأصيب خمسة مواطنين فلسطينيين بجروح مختلفة اثر قصف اسرائيلي بالقذائف والرشاشات الثقيلة لمنطقة دير البلح خلال ثاني محاولة لاجتياحها خلال 24 ساعة. وقال راديو صوت فلسطين ان قوات الاحتلال قامت بتدمير نقطة مراقبة للأمن الفلسطيني، كما قامت بتجريف أراض زراعية في منطقة دير البلح. كما أصيب ثلاثة فلسطينيين أحدهم في حالة حرجة خلال اشتباكات مع جنود الاحتلال في رام الله أمس. ولمواجهة هذه التطورات يستعد الرئيس الفلسطيني نهاية الشهر الحالي لدراسة تشكيل مرجعية وطنية لحكومة طوارئ مؤقتة أو حكومة وحدة وطنية مع القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية. وقال ابراهيم ابو النجا النائب الاول لرئيس المجلس التشريعى الفلسطينى عضو لجنة المتابعة العليا للقوى الوطنية والاسلامية ان هذه القوى تناقش حاليا وجهات النظر المختلفة وسيتم وضع تقرير نهائى لعرضه على الرئيس عرفات خلال الاسبوع الحالي تتضمن وجهات النظر المختلفة. واضاف ابو النجا انه ليس شرطا الموافقة على حكومة وحدة وطنية وانما قد تكون هناك موافقة على صيغة مرجعية وطنية للحكومة لان حكومة وحدة وطنية بحد ذاتها ليست هدفا اساسيا وانما الهدف هو تشكيل مرجعية لكل هذه القضايا. وحول ما تضمنته الوثيقة من افكار وطروحات تم مبدئيا الاجماع عليها من قبل كافة القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية قال ابو النجا فى تصريحات للصحفيين أمس ان الاتفاق الوطنى يعالج قضيتين اساسيتين على الصعيد السياسى وعلى الصعيد الداخلي، مشيرا الى ان الوثيقة تعالج من الناحية السياسية كيفية الوصول الى تصور مشترك عن الانسحاب الاسرائيلى الكامل من الاراضى الفلسطينية التى احتلت عام 1967 واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف وحق العودة المستند الى القرار 194. غزة ـ القدس ـ «البيان» والوكالات: