بعد أقل من 72 ساعة فقط على عملية القدس البطولية، وجهت الانتفاضة ضربة نوعية اخرى الى الاحتلال الاسرائيلي، ناسفة الى الابد نظرية رئيس الوزراء الاسرائيلي الارهابي ارييل شارون بشأن تحقيق الامن لمواطنيه ومستوطنيه ومتطرفيه. ونفذ الاستشهادي محمد محمود نصر (28 عاما) التابع لحركة الجهاد الاسلامي امس عملية جريئة حينما فجر نفسه في مقهى «وول ستريت» قرب مدينة حيفا الساحلية ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا زعمت مصادر طبية اسرائيلية ان العملية اوقعت قتيلاً و50 مصاباً، اضافة الى الاستشهادي، وفرضت سلطات الاحتلال تعتيماً اعلامياً صارماً على نتيجة العملية في محاولة يائسة لمنع تدهور الروح المعنوية لمواطنيها. وكعادتها حملت اسرائيل السلطة الفلسطينية ورئيسها ياسر عرفات المسئولية، وعقد مجلس وزرائها الامني المصغر اجتماعاً طارئاً لبحث الرد على العملية حيث توقعت مصادر ان تقوم اسرائيل باحتلال مطار غزة واعلانه منطقة عسكرية مغلقة. كما حلقت المروحيات الاسرائيلية على ارتفاع منخفض فوق غزة خاصة في رفح. وجاءت العملية التي ضربت في عمق الكيان الصهيوني مخترقة كل اجراءاته الامنية غير المسبوقة رداً على بلطجة جيش الاحتلال الذي واصل تصعيده امس سياسياً وعسكرياً عبر اعادة احتلال مركز البث الاذاعي في أبوديس قرب القدس وتمسكه الابدي ببيت الشرق وقمع الفلسطينيين الذين تظاهروا امس بالقرب منه في القدس الشرقية، كما اقدم الاحتلال على اجتياح بلدة القرارة في غزة، مدمراً 15 منزلاً، اضافة لقصف رفح وفرض حظر التجول على مدينة الخليل قبيل الاضراب العام الذي يزمع الفلسطينيون تنفيذه اليوم في كل فلسطين التاريخية دفاعاً عن القدس وبيت الشرق. وقبيل عملية حيفا الاستشهادية امس وافق شارون على مطلب وزير خارجيته شيمون بيريز بإجراء مفاوضات مع مسئولين فلسطينيين كبار باستثناء الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات حول وقف اطلاق النار مشترطاً عدم الخوض في الجوانب السياسية طالما استمرت الانتفاضة!! (طالع ص 18) وفي احدث رد من الانتفاضة على بلطجة شارون وجيش احتلاله اصيب عشرات الاسرائيليين بجروح، بعضهم في حال الخطر، في عملية استشهادية نفذت امس في احد مقاهي كريات موتسكين في الضواحي الشمالية لمدينة حيفا. واوضحت هذه المصادر ان الاستشهادي الفلسطيني استشهد في العملية. وقد قام بتفجير العبوة التي كان يحملها وهو يدخل مقهى «وول ستريت». وأعلنت مصادر طبية اسرائيلية ان الانفجار اسفر عن مقتل شخصين من بينهما منفذ العملية واصابة اكثر من خمسين شخصا اصابات بعضهم بالغة الخطورة. وسارعت ثماني سيارات اسعاف الى مكان الحادث لنقل المصابين الى ثلاثة مستشفيات في حيفا واغلقت الشرطة المنطقة وحولت خطوط السير الى مناطق اخرى. ويقع المقهى بالقرب من مركز تجاري. وأورد التلفزيون الاسرائيلي الرسمي ان قوات الامن طوقت القطاع الذي يعد أقرب للمستوطنة أو الكيبوتس وبالتالي فهو مكان محصن امنياً وثار تساؤل حول الكيفية التي استطاع بها الاستشهادي دخول المكان وتنفيذ عمليته الجريئة. وتم اجلاء الجرحى الى مستشفيات المنطقة: في مرفأ حيفا جنوبا ومدينة نهاريا شمالا. وقطع التلفزيون والاذاعة برامجهما لبث معلومات متواصلة حول الانفجار. وقد تطاير زجاج نوافذ مبان عدة قريبة من المقهى اثر الانفجار، على حد ما ذكر التلفزيون. وحاولت الشرطة رد مئات الفضوليين الذين توافدوا الى مكان العملية. وذكر التلفزيون ان حالة من التوتر الشديد تخيم على المكان بسبب انذار بوجود سيارة مفخخة. وقام خبراء المتفجرات في الشرطة بالكشف على سيارة مشبوهة. وقد اعلنت حركة الجهاد الاسلامي مسئوليتها عن العملية. واضافت الحركة في بيان ارسل بالفاكس الى مكتب رويترز في بيروت ان عضو الحركة محمد محمود نصر «28 عاما» فجر نفسه في مطعم وول ستريت في بلدة كريات موتسكين. وافاد البيان «ان سرايا القدس، الجناح العسكري نفذت العملية في بلدة «كريات موتسكين» شمال حيفا في الساعة 1725» (1425 تج). واضاف البيان ان منفذ العملية هو محمد محمود بكر نصر (28 سنة) من بلدة قباطيا القريبة من جنين بالضفة الغربية. وقال ايضا ان منفذ العملية قام «بتفجير نفسه داخل مطعم «وول ستريت» في شارع بن جوريون في بلدة (كريات موتسكين)» مما «ادى الى تدمير المطعم بالكامل ومقتل واصابة عشرات الصهاينة». وقالت «سرايا القدس» «اننا بهذه العملية نرد على جرائم العدو الصهيوني والمذابح التي يقترفها بحق شعبنا الاعزل». واضافت الحركة «اننا اليوم نؤكد مجددا على قدرة سرايا القدس على توجيه الضربات تلو الضربات في قلب العمق الصهيوني وان المزيد من الاستشهاديين الابطال قادمون في الطريق». واكدت حركة المقاومة الاسلامية (حماس) امس ان العمليات ستتصاعد ضد اسرائيل كلما تصاعد «العدوان» ضد الشعب الفلسطيني. وقال اسماعيل ابو شنب احد قادة حماس لوكالة فرانس برس، على اثر عملية حيفا«ان شراسة العدوان الاسرائيلي تزيد شعبنا اصرارا ونار الغضب المقاوم وهذه العمليات (العسكرية) تتصاعد كلما تصاعدت الاعتداءات ضد شعبنا الفلسطيني». واضاف ابو شنب «من حق شعبنا مواصلة المقاومة التي تمثل خيارنا الوحيد والاستراتيجي في وجه الة الحرب والعدوان من اجل ان نصل لاحقاق حقوقنا وانسحاب الاحتلال وازالة المستوطنات». من جهته شدد الشيخ احمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس في بيان تلقته فرانس برس على «استمرار المقاومة وتصعيدها» وطالب العرب والمسلمين بـ «تفعيل وقفتهم دعما للانتفاضة والمقاومة ولمواجهة العدو الصهيوني ومحاولاته المسعورة ضد القدس وفلسطين». وقال الشيخ نافذ عزام احد قادة الجهاد الاسلامي لوكالة فرانس برس ان عملية حيفا «رسالة للعالم اجمع الذي يشهد ان هناك حربا تشنها اسرائيل ضد الشعب الفلسطيني»، مضيفا ان «الشعب الفلسطيني يدافع عن نفسه بذلك وان اسرائيل هي التي بدأت في العدوان والتي استهدفت الاطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين». وقد شرع وزير الدفاع الاسرائيلى بنيامين بن اليعازر على الفور باجراء مشاروات مع المسئولين العسكريين اثر الانفجار وقال ان الجهات الامنية رفضت التعقيب على شكل الرد على هذه العملية. واشار راديو اسرائيل من جانبه الى ان شارون تلقى تقارير حول العملية وان هناك قرارات كان المجلس الوزارى المصغر للشئون الامنية قد اتخذها فى اجتماعه المطول بعد انفجار القدس وقال الراديو ان هناك امكانية لاتخاذ خطوة ما ردا على عملية امس واشار الى انه لم يصدر اى بيان او تعقيب من المستويين السياسى والامنى على العملية حتى الساعة. وقال داني نافه الوزير بالحكومة الاسرائيلية لرويترز ان «مسئولية هذا الهجوم الفظيع تقع على عاتق عرفات». واضاف «حان الوقت الذي يفهم فيه عرفات ان بامكانه ان يخسر كل شيء ولن يكسب شيئا من خلال استخدام القوة». وسئل الوزير عن كيفية رد الحكومة الاسرائيلية على هجوم أمس فقال «على اسرائيل اتخاذ كل الاجراءات اللازمة لفرض امن وسلامة شعب اسرائيل». واعلن داني شيك لوكالة فرانس برس ان «على الاسرة الدولية بذل جهود منسقة من اجل اجبار عرفات على ملاحقة المسئولين عن الاعتداءات» الموجودين في المناطق الخاضعة لسلطته. واضاف انه «ينبغى على عرفات الا يواصل تجاهل المعلومات التي تعطيها اسرائيل» حول الاعداد لشن هجومات. وتأتي هذه العملية بعد ثلاثة ايام على عملية مماثلة نفذها الخميس استشهادي فلسطيني ينتمي الى حركة حماس في مطعم في وسط القدس الغربية واسفرت عن سقوط 19 قتيلا بينهم منفذها، واكثر من 80 جريحا. وعلى صعيد تسريع الاحتلال لخطوات تهويد القدس أعلن الإرهابي شارون انه سوف يتم فتح مقار جديدة «حراسة » للشرطة فى القدس المحتلة. وذكر راديو اسرائيل ان شارون اعلن ذلك خلال جلسة لمجلس الوزراء الاسبوعية أمس بسبب ما اسماه قيام الفلسطينيين بأعمال مخالفة للقانون. وصرح ارييل شارون بأن من الاهمية بمكان الحرص على «الوحدة الوطنية» فى اسرائيل فى ظل الخلافات التى ظهرت بينه وبين وزير الخارجية الاسرائيلى شيمون بيريز بالنسبة لمسألة طريقة التعامل مع الفلسطينيين. وأعلن شارون موافقته على طلب بيريز اجراء مباحثات مع عرفات حول وقف النار فقط دون الخوض في جوانب سياسية طالما ان العنف ما زال قائما. لكن وفي وقت لاحق قالت وكالة الانباء الفرنسية ان الاذن لبيريز قاصر فقط على اجراء مفاوضات مع مسئولين فلسطينيين كبار باستثناء الرئيس ياسر عرفات. وكان بيريز قد قال في حديث للاذاعة الاسرائيلية الرسمية «البعض يؤكد انه لا ينبغي التفاوض تحت وابل النيران وانا اوافق على ذلك غير ان علينا التفاوض لتطبيق وقف اطلاق النار». واضاف «من دون ذلك، لن يكون هنالك اي فرصة. اذا لم نبذل جهدا كبيرا (لاطلاق مفاوضات) ستكون النتيجة مواصلة اعمال العنف على كل المستويات وتقوية حماس». وادلى بيريز بهذه التصريحات امام اللجنة المركزية لحزب العمل التي انعقدت في كيبوتس شفايم شمال تل ابيب. وقال بيريز «نواجه شعبا تعداده ثلاثة ملايين نسمة في الاراضي الفلسطينية نحن في نزاع معه ويجب التوصل الى اتفاق معه». وشدد على «انني أؤيد الرد العسكري عندما يقتضي الامر ولكنني لا أؤيد الرد العسكري وحده» مضيفا «لا اعتقد انه من الممكن وقف اطلاق النار بالنار فقط. هذا غير وارد. هذه هي الحقيقة». واكد «عندما يقال انه لا يمكن وقف اطلاق النار الا بالنار فان ذلك يعني اننا نعطي الاحتكار (الوضع) للسلاح. وكل من يملك اذن قنبلة او سلاحا بامكانه ان يقرر وقف النار ام لا. ولذلك فان موقفنا (في حزب العمل) هو ان قضية وقف اطلاق النار يجب ان تعالج في الوقت نفسه على المستويين العسكري والسياسي». وقبيل ذلك، وخلال الاجتماع الاسبوعي للحكومة الاسرائيلية، دعا بيريز الحكومة الى فتح حوار مع السلطة الفلسطينية مشيرا الى ان «السياسة الحالية لا يمكن ان تستمر» بحسب الاذاعة. ونظمت حركة كاخ اليهودية المتطرفة احتفالا استفزازيا قرب بيت الشرق فى القدس المحتلة بعد ان اذنت لها شرطة الاحتلال بذلك. وذكر راديو صوت فلسطين أن الحركة العنصرية كانت قد اصدرت بيانا اشادت فيه بما وصفتها بالخطوة الحازمة لشارون ضد الفلسطينيين من اغلاق مؤسساتهم واحتلال بيت الشرق. وعلى صعيد أخر عقبت عضو المجلس التشريعى عن دائرة القدس الدكتورة حنان عشراوى على استصدار قائد شرطة الاحتلال في القدس المحتلة ميكى ليفى قرارا يمنعها من دخول القدس بالقول ان القرار يدل على تخبط الحكومة الاسرائيلية وافلاسها السياسى وعدم ادراكها لابعاد مثل هذا القرار لاقدامها على اعادة احتلال بيت الشرق الذى يأتى فى اطار الصعيد الاسرائيلى ضد الشعب الفلسطينى ومؤسساته. وأعلنت رئاسة الحكومة الاسرائيلية في بيان ان استيلاء اسرائيل على بيت الشرق واقفاله «يهدف الى وقف نشاط السلطة الفلسطينية في القدس». واضاف البيان ان «منظمة التحرير الفلسطينية تعهدت في الاتفاقات السياسية (مع اسرائيل) حصر نشاطات السلطة الفلسطينية في الاراضي الخاضعة لسيطرتها. والنشاطات السياسية او حكومية الطابع لعنصر اجنبي على الاراضي الاسرائيلية من دون الحصول على موافقة اسرائيل تشكل انتهاكا لسيادة اسرائيل. وقررت سلطات الاحتلال استمرار حالة الاستنفار القصوى فى جميع انحاء اسرائيل والقيام بتكثيف الدوريات والحواجز العسكرية على مداخل المدن وخاصة على خط التماس مع الضفة الغربية. كما دفعت بالمزيد من قوات الامن وحرس الحدود الى القدس فى ضوء المعلومات والانذارات الساخنة عن اعتزام مجموعات فلسطينية تنفيذ عمليات استشهادية. وعلى صعيد الخلاف مع شارون ورداً على التصعيد الاسرائيلي الذي تمثل أمس في احتلال مركز الاتصالات والبث الاذاعي الفلسطيني في أبوديس واقتحام قرية القرارة في غزة وقمع مظاهرة احتجاج على احتلال بيت الشرق اعتبرت القيادات الشعبية والبرلمانية وممثلو جميع القوى في القدس أن اسرائيل مزقت اتفاقيات أوسلو باحتلالها المؤسسات الفلسطينية في القدس، فيما دعت السلطة وجميع المنظمات والقوى إلى اضراب عام اليوم واعتباره يوم غضب دفاعاً عن عروبة القدس تتخلله مسيرات جماهيرية. ودعت فتح، كبرى فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، في بيان صدر عقب اجتماع طارئ لكوادرها في قطاع غزة وتلقته فرانس برس الى تصعيد الانتفاضة الشعبية والالتزام بالاضراب العام والشامل والمشاركة في المسيرة الشعبية يوم غد الاثنين التي دعت اليها كافة القوى والفصائل الفلسطينية تلبية لنداء القدس والاقصى». وعبرت فتح عن رفضها «لكل الاجراءات الاحتلالية الاسرائيلية في القدس المحتلة» مؤكدة ان «كافة الاجراءات الاسرائيلية ضد القدس باطلة وغير قانونية». من جانبه دعا وزير الثقافة والاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه الادارة الامريكية الى التحرك السريع لوقف ما وصفه بـ «العدوان» الذي تقوده حكومة شارون ضد الفلسطينيين. وقال عبد ربه في بيان وزع على الصحافة في ختام لقاء مع المبعوث الامريكي ديفيد ساترفيلد «لقد تناول الاجتماع ضرورة تفعيل الدور الامريكي والدولي في عملية السلام والتدخل الفوري لحل الازمة الراهنة ووقف العدوان الذي تمارسه حكومة ارييل شارون على الشعب الفلسطيني وقياداته وارضه وممتلكاته». وطالب صائب عريقات عقب اجتماعه مع نفس المسئول الامريكي في اريحا واشنطن بالزام اسرائيل بالتراجع عن الاستيلاء على بيت الشرق مؤكدا ان الحديث عن توصيات ميتشيل اصبح غير مجد في ظل سياسة الامر الواقع التي تنفذها سلطات الاحتلال على الارض.

