اذا كنا نحن في دول المنطقة قد سلمنا بأن الانجليزية باتت اللغة العالمية الأولى دون منازع فإن الأمر لايزال ينطوي على حساسية كبيرة بالنسبة لمناطق اخرى، وهو ما يفسر ردة الفعل الغاضبة من جانب الألمان والفرنسيين حيال خطة جديدة طرحتها المفوضية الأوروبية لاعتماد لغة عمل واحدة بدل اللغات الثلاث الحالية. ويخشى البعض من ان اللغة الواحدة ستكون الانجليزية وهذا يعني ان اللغتين الاخريين المستخدمتين حالياً ـ الفرنسية والالمانية ـ ستكونان زائدتين عن الحاجة، وهو ما لم يرق ابداً للألمان والفرنسيين. وسارع البلدان للتعبير عن قلقهما ازاء المقترحات الاخيرة في رسالة مشتركة بعث بها وزيرا الخارجية الفرنسي هوبير فيدرين والألماني يوشكا فيشر الى رئيس المفوضية رومانو برودي احتجاجاً على الخطة. من جانبها تناولت الصحافة الفرنسية الحدث بحماستها الملتهبة المعتادة متحدثة عن محاولة «انقلاب لغوي» مشيرة بأصابع الاتهام الى مكيدة انجلو سكسونية لفرض اللغة الانجليزية على مواطني اوروبا البالغ عددهم 370 مليوناً. وبطبيعة الحال فإن الرهانات كبيرة، لأن وجود نحو 13 بلداً تصطف في الطابور للانضمام الى الاتحاد الاوروبي في اقرب فرصة يعني ان المعركة اللغوية مستمرة في قلوب وعقول القادمين الجدد. وبما انه لن يكون من العملي توسيع نطاق لغات الاتحاد الاوروبي الرسمية الـ 11 (التي تترجم اليها تشريعات الاتحاد بالمقارنة مع ثلاث لغات عمل فقط في المفوضية الأوروبية) اذن سيكون على الجميع عاجلاً ام آجلاً، الاجابة عن سؤال حاسم: اي سياج لغوي سيختاره القادمون الجدد الذين سيكون معظمهم من اوروبا الشرقية؟ وهذا النزاع الاخير قد لا يكون سوى مناوشة تمهيدية في ما يرجح ان يصبح معركة لغوية طويلة. من جانبها تجادل المفوضية في ان اعتماد لغة عمل واحدة بدلاً من ثلاث لغات سوف يوفر الوقت والمال، وهي فكرة جيدة على خلفية حملتها الحالية لاصلاح وتحديث نفسها. ويقول احد المسئولين في المفوضية: «قبل حوالي عشر سنوات، كان 70 بالمئة من اوراق العمل بالمفوضية باللغة الفرنسية، لكن كفة اللغة الانجليزية هي الراجحة الآن». والجميع يعرف ان الانجليزية هي اللغة الي يتعلمها الجيل الشاب الان. وليس بمقدور احد تغيير هذه النزعة. ويؤكد الناطقون باسم المفوضية ان المقترحات لاتزال في طورها الجنيني وانها لن تعصف بالتعددية اللغوية التي يشتهيها الفرنسيون والالمان. لكن الفرنسيين الحساسين حيال زحف اللغة الانجليزية على حساب لغة موليير غير مقتنعين بهذا الكلام. وتساءلت صحيفة ليبراسيون الفرنسية: «ما هو حلم مسئولي المفوضية؟». ثم اجابت عن السؤال بقولها: «ان يتحدث جميع مواطني الاتحاد الاوروبي اللغة الانجليزية وتهبط لغاتهم الى منزلة لهجات غريبة تدرس فقط في بضعة مقررات دراسية متخصصة». واضافت الصحيفة: «هذه المحاولة لجعل الاتحاد الاوروبي فرعاً للناتو ومنظمة التعاون والتنمية الاوروبية حيث استؤصلت جذور الفرنسية لتحل محلها الانجليزية منذ زمن، ليست المحاولة الأولى ولن تكون الاخيرة». باريس ـ «البيان»:
