فجرت حملة الاعتقالات التي شنها الجيش اللبناني ضد عشرات العناصر التابعة لحزب القوات اللبنانية المنحل والتيار العوني ازمة بين الجيش والحكومة التي لم يكن لها علم مسبق بهذه الاعتقالات، الامر الذي اعتبرته تجاوزاً للاصول، مؤكدة انها ابتداء من اليوم ستكون على علم بكل شيء. ورغم هذا التحفظ خاصة من قبل الوزراء المنتمين لحزب وليد جنبلاط فقد انتهى اجتماع المجلس بتأييد قرارات الجيش والإشادة بدوره الوطني في ضمان السلم الاهلي والدفاع عن كرامة البلاد. وفي تطور لافت أكد مجلس الأمن المركزي اللبناني صلاحية الجيش والادارات الامنية في تطبيق القوانين وملاحقة المخالفين محذراً الجماعات المحظورة من تجاوز القوانين أو الاخلال بالامن متهماً حزب القوات اللبناني المنحل والتيار العوني بإشاعة جو من التوتر والعصبيات. وفي هذا الاطار عقد رئيسها رفيق الحريري سلسلة اجتماعات مع عدد من الوزراء والمسئولين الامنيين والقضائيين والفعاليات السياسية لمتابعة المستجدات الداخلية في ضوء الاعتقالات وبدء التحقيق مع 59 منهم. وتوقعت مصادر ان ينتقل الصراع السياسي مرة اخرى حول حملة الاعتقالات يوم الاثنين المقبل الى المجلس النيابي. وبالرغم من تحفظ غالبية اعضاء الحكومة على حملة الاعتقالات لعدم علمها المسبق بها اشادت بدور الجيش الوطني في ضمان السلم الاهلي والدفاع عن كرامة الوطن وذلك وفق ما ذكره وزير الاعلام غازي العريضي بعد جلسة دامت خمس ساعات وانتهت في وقت متأخر من مساء الخميس. وقال العريضي ان حملة الاعتقالات استحوذت على مناقشات الجلسة وجرى بسبب ذلك تأجيل كافة بنود جدول الاعمال المقرر الى جلسة لاحقة. وكانت وحدات من الجيش اللبناني قد اطلقت يوم الثلاثاء الماضي حملة اعتقالات مفاجئة ضد نشطاء من التيار الوطني المستقل الذي يتزعمه قائد الجيش الاسبق ميشيل عون وضد نشطاء من حزب القوات اللبنانية. لكن اجتماع الحكومة خرج بتأييد اجراءات الجيش مع اعلان العريضي بأنه وزملاءه الذين يمثلون كتلة اللقاء الديمقراطي البرلمانية التي يتزعمها جنبلاط قد تحفظوا على القرارات الحكومية. ولكن فيما بدا انه ارضاء للحريري الذي نقلت عنه الصحف اللبنانية تسجيل اعتراض شديد اللهجة على حصول الاعتقالات من دون ابلاغه مسبقا تضمنت المقررات تأكيدا لدور مجلس الوزراء «المناطة به السلطة الاجرائية وامر السهر على تنفيذ القوانين والانظمة والاشراف على اعمال كل اجهزة الدولة من دون استثناء». وكشف العريضي ان «غالبية الوزراء لا علم لديهم بما جرى» مؤكدا ان وزراء اللقاء الديمقراطي تحفظوا على المقررات الحكومية التي ايدها الحريري. وعقد الحريرى امس سلسلة اجتماعات مع عدد من الوزراء والمسئولين الامنيين والقضائيين والفعاليات السياسية فى اطار متابعته للمستجدات الداخلية بعد الاعتقالات. واجتمع الحريرى لهذه الغاية مع العميد ريمون عازار مدير المخابرات فى الجيش واعقبه باجتماع مع وزير الداخلية الياس المر والمدعى العام التمييزى القاضى عدنان عضوم ثم انضم الى الاجتماع كل من وزير العدل سمير الجسر ووزير الدفاع خليل الهراوى. وكان الحريرى قد اجتمع فى وقت سابق مع وليد جنبلاط رئيس الحزب التقدمى الاشتراكى الذى عارض بشدة الحملة التى نفذتها القوى الامنية. وشارك فى الاجتماع مروان حمادة وزير شئون المهجرين وغازى العريض وهما من قياديى الحزب التقدمى الاشتراكى. وصرح حماده عقب الاجتماع انه ابتداء من اليوم ستكون الحكومة على علم بكل شيء فى اشارة الى عدم اطلاع الحكومة او رئيسها على الاجراءات الامنية الاخيرة قبل تنفيذها فيما اكتفى وزير الاعلام بالتصريح بأن هناك رفضا لتجاوز الاصول فى الاعتقالات. من جهة اخرى كشفت مصادر لبنانية رسمية امس «عن وجود 59 شخصا يمثلون أمام القضاء اللبنانى لاجراء التحقيقات اللازمة معهم فيما تم الافراج بضمان محل الاقامة عن 53 شخصا بعد انتهاء التحقيقات معهم، وهم منتسبون جميعا الى «التيار الوطنى الحر» بزعامة قائد الجيش السابق العماد ميشيل عون المقيم فى باريس وحزب «القوات اللبنانية» المنحل. وأوضحت هذه المصادر أن من بين الاشخاص الذين مازالوا أمام القضاء اللواء المتقاعد نديم لطيف المنسق العام للتيار الوطنى والدكتور توفيق الهندى المستشار السياسى لسمير جعجع قائد القوات اللبنانية المنحلة. وتوقعت المصادر أن ينتهى التحقيق الأولى مع هولاء الأشخاص خلال 48 ساعة. واصدر مجلس الامن المركزي بياناً أمس عقب اجتماع استثنائي عقده برئاسة الياس المر وزير الداخلية حذر فيه بلهجة حازمة الجماعات الحزبية والسياسية المحظورة وغير المرخص لها من تجاوز النصوص القانونية التي تحدد اصول العمل الحزبي في البلاد او من محاولة الاخلال بالنظام العام الذي دأبت عليه. واتهم البيان صراحة مجموعات تابعة لحزب القوات اللبنانية المنحلة وللمجموعة العونية غير المرخصة باقتناص كل مناسبة عامة أو خاصة للقيام بتحركات وتجاوزات واهانة مقامات وقطع طرقات واقفال جامعات واشاعة أجواء من التوتر والعصبيات ولاسيما فى ظل ظروف اقتصادية ضاغطة وأوضاع اقليمية حساسة. وأضاف أن التاريخ القريب لتلك المجموعات وقياداتها بما فيها تصريحاتها الاخيرة تشهد لها بتدمير البلاد بالقتل والدم والخطف والدماء معتبرا ان ادعاءاتها بالحرية والديمقراطية تناقض كل ماكانت تفعله تلك المجموعات وقياداتها حيال الافراد والجماعات والاعلام والسياسيين ورجال الدين وغيرهم. وأوضح أن الجميع يذكر يوم سقط الامن الشرعى من الدولة الى أيدى تلك الجماعات كيف انها استباحت وانتهكت كل شيء وقتلت الحرية قولا وفعلا. وأعاد البيان تذكير تلك الاحزاب المنحلة بحظر القيام بأى شكل من أشكال الاجتماع أو التظاهر أو الاضراب وتوزيع النشرات والخطابات والشعارات أو المشاركة فى أية أنشطة ذات طابع سياسى أو اعلامى أو استغلال المناسبات العامة والخاصة للقيام بتلك الانشطة والشعارات المرتبطة بها. كما حظر اقدام أية حركة غير مرخصة ولاتعترف بالنظام اللبنانى أو بشرعيته وسلطاته ومؤسساته الدستورية من القيام بمثل تلك الانشطة مؤكدا على صلاحيات الجيش والادارات الامنية بالقيام بواجبها كاملا وفق تعليمات مجلس الوزراء والنصوص القانونية. من جهتها اعلنت الخارجية الفرنسية ان بعض اللبنانيين المقبوض عليهم يحملون الجنسية الفرنسية. كما اعتقل ناشط مسيحي مناهض للوجود السوري في لبنان مساء الخميس على يد عناصر في جهاز الاستخبارات اللبنانية، حسبما اعلنت زوجته المحامية ريتا ملاط لوكالة فرانس برس. وقالت ان عناصر في لباس مدني اقتادوا زوجها جورج علم (37 عاما) من دون مذكرة توقيف من منزله في عمشيت شمال بيروت حوالى الساعة 2030 بالتوقيت المحلي (1730 تج). وقالت «عندما سألتهم عن مذكرة التوقيف قال من بدا وكأنه زعيمهم (لدينا امر عسكري)» بتوقيف علم. من جهتها وصفت الصحف اللبنانية امس موقف الحكومة من اعتقالات الجيش بأنه هش مشيرة إلى أن الحكومة وجهت انتقادات للحملة لكن بدون توجيه الضربة الحاسمة. وقالت صحيفة «السفير» ان التسوية «تطلبت اقرارا ولو متأخرا بسلطة مجلس الوزراء الكاملة على كل السلطات من دون اغفال تغطية ولو لاحقة لعمل الجيش والاجهزة الامنية التي تعرضت خلال الجلسة الى هجوم عنيف». واضافت ان التسوية «اقتضت مراعاة جوانب عدة تخص العلاقة بين قطبي الاجتماع رئيسي الجمهورية والحكومة ويبقى الامر عرضة للاختبار في المرحلة القريبة». وتابعت الصحيفة القريبة من دمشق ان «الرئيس لحود معني بتغطية كاملة وتأييد علني لاجراءات القوى الامنية وعدم تعريضها لاي شكل من الادانة، والرئيس رفيق الحريري معني بتأكيد مرجعية عملية لمجلس الوزراء وضمان عدم تكرار تجاوزه في مسائل كهذه» مشيرة الى ان سوريا ترغب «بعدم حصول انفجار يطيح بالحكومة في هذه اللحظة الاقليمية بالذات». ونقلت الصحيفة عن وزير معارض للاعتقالات بدون الكشف عن اسمه ان الازمة تبقى مفتوحة وان المعركة ستنتقل يوم الاثنين المقبل الى المجلس النيابي. ـ الوكالات