بدأت قناة «بي بي سي الثانية» امس ببث اولى حلقات سلسلة البرامج الوثائقية «سفر الرؤيا القديم» التي تتحرى عن الانهيار الدراماتيكي للحضارات العظيمة. وتروي منتجة البرنامج جيسيكا سيسيل تفاصيل الكارثة المناخية التي ضربت المملكة المصرية القديمة. قبل أربعة آلاف ومئتي عام افلت شمس أول حضارة عظيمة في مصر. وكان فراعنة المملكة القديمة قد بنوا اعظم تراث في العالم القديم متمثلاً في اهرامات الجيزة. لكن بعد حوالي الف عام من الاستقرار تفككت السلطة المركزية وانهار البلد في حالة من الفوضى والتشوش دامت لاكثر من مئة عام. وهناك جدل قديم متجدد بين العلماء المعاصرين حول اسباب انهيار الحضارة المصرية القديمة. لكن البروفيسور فكري حسن، من جامعة كولدج لندن البريطانية اراد ان يحل اللغز بتجميع مفاتيحه العلمية. مصدر الهامه كان قبراً مغموراً في جنوب مصر لحاكم اقليمي يدعى «انختيفي» فالكتابات الهيروغليفية التي وجدت على جدران القبر ذكرت ان «جميع مناطق مصر العليا كانت تموت جوعاً لدرجة ان الكبار اصبحوا يأكلون اولادهم». معظم علماء المصريات رفضوا القبول بهذه الكتابات واصفين اياها بأنها ضرب من الفنتازيا والمبالغة، لكن فكري كان مصمماً على اثبات صحتها ودقتها، وكان عليه ايضا ان يجد «متهما» قادراً على التسبب بمثل هذا البؤس والشقاء. ويقول فكري: «منذ البداية كان لدي شعور وحدس قوي بان الامر له علاقة بالبيئة التي عاش فيها المصريون، كان فكري يشعر ان نهر النيل الذي كان دوماً في صميم الحياة المصرية، متورط بشكل أو بآخر فيما حدث. وبعد ان محص فكري في سجلات فيضان النيل منذ القرن السابع تفاجأ بوجود تفاوتات ضخمة في حجم الفيضانات السنوية التي كانت حيوية لري الاراضي الزراعية. ولعدم توفر سجلات طبيعية عن فيضانات النيل في عام 2200 قبل الميلاد، بدأ فكري البحث في مصادر اخرى. وفوجيء باكتشاف جديد في هضاب مجاورة في فلسطين. حيث عثر على سجل فريد للمناخ في الهوابط الكلسية في كهف قديم قرب القدس الغربية واظهر السجل انخفاضاً دراماتيكيا ومفاجئا في تساقط الامطار بنسبة 20 بالمئة في حدود عام 2200 ق.م. وهذا اكبر حدث مناخي تشهده المنطقة في 5000 عام. كما ان ابحاث علماء الجيولوجيا في المرصد الارضي بجامعة كولومبيا الامريكية روت القصة نفسها وهي ان تغيرا مناخياً مثيراً هيمن على الارض من اندونيسيا الى المتوسط ومن جرينلند الى امريكا الشمالية في تلك الحقبة. وجاءت تلك الاكتشافات العلمية لتؤكد صحة نظرية فكري الذي اراد ان يكمل حل اللغز الى اخره. فواصل بحثه في مصر عن دليل مباشر على حدوث مثل هذا التغير المناخي الشديد المفاجيء في وادي النيل، وعثر فعلاً على الدليل حين حفر حفراً عميقة في بحيرة جافة كان يغذيها النيل في العصور القديمة. واكتشف فكري ان البحيرة جفت تماماً في الفترة الحرجة التي انهارت فيها المملكة القدمية، وهي المرّة الوحيدة في تاريخ البحيرة، التي يحدث فيها شيء كهذا. واخيرا اثبت فكري صحة كتابات انختيفي، لقد كانت الطبيعة القاسية وراء وصول المصريين القدماء الى تلك الدرجة من اليأس. لندن ـ «البيان»: