ارسلت واشنطن رسالتين متناقضتين الى المنطقة خلال الثماني والاربعين ساعة الاخيرة.. ففيما تعرض رئيس وزراء دولة الاحتلال ارييل شارون لنكسة سياسية خلال اجتماعه مع الرئيس الامريكي جورج بوش حينما اصر الاخير على ضرورة تجميد الاستيطان، ورفض اعطاء اسرائيل الضوء الاخضر بشن عدوانها المبيت على الفلسطينيين، قال وزير الخارجية الامريكي كولن باول في القاهرة امس ان شارون وحده هو الذي سيقرر اذا ما كان مستوى العنف قد انخفض ام لا وبالتالي الانتقال الى مرحلة المفاوضات. وعلى غير ما كان يأمله شارون فقد وجد نفسه في «كمين» نصبه له الرئيس الامريكي على حد تعبير الصحف الاسرائيلية خلال لقائهما الليلة قبل الماضية في البيت الابيض الذي بدأ بخلاف وانتهى الى خلاف. حتى ان هذا اللقاء كسر تقاليد العلاقة الامريكية الاستراتيجية القائمة على سرية الخلاف حين ظهر علناً خلال مؤتمر صحفي اصطدمت فيه تصريحات بوش وشارون. ففيما أكدت الصحف العبرية امس ان شارون فشل في انتزاع الضوء الاخضر لاطلاق يديه في شن العدوان المبيت وفوق ذلك مطالبته من قبل بوش بالتجميد الكامل للاستيطان تحدى رئيس وزراء دولة الاحتلال هذا المطلب بتأكيده ان حكومة الائتلاف التي يتزعمها ستواصل التوسع الاستيطاني لأغراض «النمو الطبيعي» لسكانها. كذلك فإنه في الوقت الذي استشفت وكالات الانباء اشادة مبطنة بالرئيس الفلسطيني ياسر عرفات من قبل بوش عبر اشارته الى «تحقيق تقدم ولو كان طفيفاً» لوقف العنف ودعوته للانتقال الى الشق السياسي الخاص بتطبيق توصيات لجنة ميتشيل ظهر تعنت شارون اكثر برفضه ذلك والاصرار على شروط تعجيزية تحدت دعوة الرئيس الامريكي له للتحلي بالواقعية. فقد اصر شارون على عشرة ايام هدوء تام يشمل عدم رشق جنوده حتى بالزجاجات الحارقة ومن ثم فترة تبريد لا تقل عن ستة اسابيع تتبعها اجراءات الثقة لثلاثة شهور قبل الانتقال للمفاوضات. وزاد رئيس الوزراء الصهيوني على ذلك بالتشكيك بفرص نجاح جولة كولن باول مع اعترافه للصحفيين بوجود خلاف مع الادارة الامريكية لكنه لا يرقى للمس بالعلاقات الاستراتيجية بين الجانبين والتي اشار بوش نفسه اليها لكن في معرض الغمز المبطن لعزلة شارون الدولية عبر القول انه لن يجد حليفاً استراتيجياً كالولايات المتحدة. وكان باول بدأ جولته المتوسطية بلقاء مع الرئيس المصري حسني مبارك في برج العرب بالاسكندرية. ورجحت وسائل الاعلام الاسرائيلية ان يكون في جعبة باول بالاضافة للجدول الزمني لتطبيق تقرير ميتشيل اقتراح سري بتشكيل لجنة تترأسها بلاده لمراقبة وقف النار وتطبيق توصيات التقرير. وقال باول ان شارون سيحدد اذا كانت نسبة العنف الفلسطيني شهدت انخفاضا كافيا من اجل المضي قدما في عملية السلام. واضاف خلال مؤتمر صحفي مشترك مع نظيره المصري احمد ماهر في ختام اجتماع مع الرئيس المصري حسني مبارك «في النهاية، يتعين على الطرفين تحديد اذا ما كان العنف بلغ مستوى معيناً او كان الهدوء او انعدام العنف كافيا من اجل المضي قدما وشارون سيقرر ذلك». وشدد باول على ضرورة التزام الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي بتوصيات تقرير لجنة ميتشيل. وقال ان تقرير ميتشيل هو «المادة الوحيدة الموجودة على الطاولة وتتمتع بدعم الاسرة الدولية بأكملها». وتابع «لقد بحثت ذلك مع (رئيس السلطة الفلسطينية ياسر) عرفات ومع جميع المسئولين وانني متيقن ان اسرائيل والفلسطينيين والجميع يؤمن ان تقرير ميتشيل وثيقة مهمة يجب البناء عليها وتنفيذ ما تضمنته». واضاف باول «ان مهمتي في المنطقة تكمن في بذل قصارى جهدي للابقاء على عملية السلام. لقد مضت ستة اسابيع منذ طرح توصيات ميتشيل واؤكد حرصي على وضع حد للعنف كما انني حريص على اقرار فترة من التهدئة حتى يتمكن الطرفان من التوصل الى نتيجة مفادها انه يجب العودة الى طاولة المفاوضات». ومن حهته، قال ماهر «لقد قبل الطرفان توصيات لجنة ميتشيل دون تحفظ وشدد الرئيس على ضرورة التحرك لكي نصل الى بداية مفاوضات الوضع النهائي». واضاف «وجدنا تفهما كبيرا من باول لمواقفنا ورغبة اكيدة في التوصل بأسرع وقت ممكن لتنفيذ توصيات ميتشيل». وتابع «ناقشنا ايضا العلاقات الثنائية ورغبة الطرفين في تدعيمها وهي علاقات طيبة خالية من المشاكل وهناك رغبة في السير بها قدما». وردا على سؤال اوضح ان «تقرير ميتشيل صفقة متكاملة لكنها مفصلة على مراحل لا يمكن ان نبدأ بها كلها في وقت واحد ولا مجال لذلك مطلقا انها صفقة مجزأة على مراحل». واعتبرت الصحف العبرية لقاء واشنطن هذا ضربة لشارون. وعنونت صحيفة «يديعوت احرونوت» افتتاحيتها، «امبوش» اي ما معناه كمين باللغة الانجليزية وهو لعب على الكلام مع اسم الرئيس الامريكي الذي يبدو انه استدرج شارون الى «كمين». ورأت الصحيفة ان «المواجهة العلنية بين الرئيس وشارون غير مألوفة في العلاقات بين البلدين. وسبق وحصلت مواجهات لكن الطرفين كانا يحاولان اخفاءها». واضافت «كانا يشبهان (بوش وشارون) زوجين قررا ان يتشاجرا امام اولادهما. فحملة الرئيس الامريكي على شارون تهدف قبل كل شيء الى توجيه رسالة الى الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة والفلسطينيين مفادها ان الادارة الامريكية الجديدة لا تخضع لسيطرة اسرائيل». ووضعت صحيفة «معاريف» محصلة سلبية باللقاء في افتتاحيتها. واعتبرت «معاريف» انه «رغم التصريحات الودية والرصيد الذي يحظى به شارون في واشنطن، فان الولايات المتحدة واسرائيل لا تملكان النظرة نفسها للوضع. فشهر العسل اذا اعتبرنا انه كان قائما، شارف على نهايته. فقد تعرض شارون لضربة علنية مهينة من جانب الرئيس» الامريكي. رد الفعل الفلسطيني توزع بين تشكيك وزير الاعلام ياسر عبدربه بوجود خلاف حقيقي بين الولايات المتحدة واسرائيل فيما سارع امين عام مجلس الوزراء احمد عبدالرحمن للترحيب بالموقف الامريكي. وفي موازاة ذلك مضى جيش الاحتلال في اجندته العدوانية عبر ما سمي اعادة انتشار على طول الخط الاخضر بزعم منع العمليات الاستشهادية فيما واصل قضم المزيد من الأراضي التابعة للسلطة الفلسطينية في قطاع غزة. وقال اللواء عبد الرزاق المجايدة مدير الامن العام في القطاع ان «الجيش الاسرائيلي اقام (الثلاثاء) برجا للمراقبة على اراضي المواطنين الفلسطينيين داخل مناطق السلطة الفلسطينية. وكان الجيش الاسرائيلي اقام على بعد عشرين مترا من هذا الموقع برجا اخر قبل فترة» مضيفا ان الجيش الاسرائيلي «صادر اراضي لاقامة هذه الابراج». واعتبر المجايدة «ان اقامة هذه الابراج هو خرق خطير لوقف اطلاق النار الذى اعلن في 13 يونيو بيننا وبين الجانب الاسرائيلي». من جهة اخرى افادت مصادر امنية فلسطينية ان «زورقا حربيا اسرائيليا فتح النار صباح أمس على عدد من الصيادين الفلسطينيين في عرض البحر قبالة مدينة خانيونس، كما اطلق زورق آخر النار باتجاه شباك للصيادين قبالة شواطئ رفح». واقتحمت اعداد كبيرة من قوات الاحتلال قرية بورقين في محافظة سلفيت الليلة قبل الماضية وداهمت عدداً من المنازل وقامت بتفتيشها بعد ان اخرجوا منها النساء والاطفال وقاموا اثناء ذلك باتلاف العديد من الممتلكات والمواد التموينية، كما قاموا باحتجاز عدد من الشباب ورجال القرية والتدقيق في بطاقات هوياتهم. وفي منطقة نابلس انفجرت الليلة قبل الماضية عبوة ناسفة لدى مرور دورية لقوات الاحتلال على الطريق بين قرية سالم ومستوطنة الون موريه وشرعت قوات الاحتلال في تمشيط المنطقة. وفي المفرق المجاور لمستوطنة شافي شمرون في منطقة نابلس القيت زجاجة حارقة باتجاه دورية عسكرية كما تعرضت قوة تابعة للجيش الاسرائيلي لاطلاق النار الى الشمال من مفترق محولا في غور الاردن وفي وقت سابق تعرض موقع لقوات الاحتلال قرب مستوطنة عوفرة في منطقة رام الله لاطلاق النار. وكان الفتى الفلسطيني محمود مصطفى امطير (17 عاماً) انضم لكوكبة الشهداء متأثراً بجراح كان اصيب بها قبل ستة شهور واستشهد امس في احد مستشفيات العاصمة الاردنية. القدس ـ ادهم حافظ: واشنطن والقاهرة ـ الوكالات:
