«ليحرق الله قلب الاسرائيليين،» صرخت مريم كنعان الام الفلسطينية ذات الثلاثة والاربعين عاما من سكان جنوب قطاع غزة. فمريم تتلقى منذ عدة ايام التعازي باستشهاد ثاني ابن لها يقضى برصاص الجيش الاسرائيلي. وهي تلقى صعوبة كبيرة في التفوه بكلمات فيما جلست على ركبتيها واتشحت بالسواد من رأسها الى اخمص قدميها. فقبل حوالى ستة شهور اي بعيد بدء الانتفاضة اردى جنود اسرائيليون احد ابنائها. كان ابراهيم في الخامسة عشرة من عمره وقضى برصاصة في رأسه. وتوضح مريم انها كانت آنذاك حاملا بتوأمين وبأن الخبر تسبب باجهاضها. وتقول «لقد حرمني الاسرائيليون بالفعل من اربعة من اولادي». ويبقى لها اليوم خمسة اولاد اربعة صبية وفتاة. والاحد المنصرم اتى دور ابن آخر لها خرج لرشق قوات الاحتلال التي تحمي مجمع مستوطنات غوش قطيف بالحجارة. غير ان عادل البالغ من العمر 16 عاما اصيب برصاصة في كبده ونقل الى المستشفى بحالة خطرة. ولازمت مريم سريره ولم تفارقه ليلة كاملة. «كان يومئ برأسه ويحرك يده. لكن الاطباء قالوا ان حالته لا تتحسن. ثم...» فارق الحياة يوم الاثنين. وتكررت المأساة التي عاشتها هذه الام المحطمة وكذلك الوقائع المرافقة لها: صيحات الانتقام تعلو في مدينة خان يونس التي ذاع صيتها المحزن بمخيم اللاجئين الموجود فيها.. صفة الشهيد الذي حظي بها عادل فورا.. الى المنشورات والصور التي غطت جدران المدينة تمجيدا لذكراه. ثم حان وقت الدفن بمحاذاة شقيقه ابراهيم. واتت النساء المتشحات بالسواد ليحطن بمريم فجلسن على وسائد افترشت الارض. وبكى اطفالها بائحين عن خوفهم. وقد نصبت حركة فتح امام منزلهم خيمة من القماش. وفي هذا المكان اجتمع الرجال من اقرباء عادل لتقديم التعازي وتقبلها بينما استمع الجميع عبر مكبرات للصوت الى ذكر من آيات القرآن الكريم. وجاءت مأدبة الغداء لتختم هذا الحداد الجماعي. في هذه الاثناء يعمل أربعة شبان على رسم لوحة جدارية للاخوين على حائط منزلهما جنبا الى جنب. كما رفعت اعلام المنظمتين الاسلاميتين حماس والجهاد الاسلامي. اما زوج مريم فقد تمدد على بطنه مفترشا حصيرة. ويوضح احد افراد العائلة انه «اخذ حبوبا منومة قوية. لذلك هو نائم». وبعد صمت طويل تتكلم مريم فتقول «كان عادل مجتهدا في مدرسته ويحب لعب كرة القدم ومحبوبا من الجميع لانه مستعد دوما للمساعدة. لقد تأثر جدا بموت شقيقه ولطالما اراد الخروج لرشق الحجارة. لكن اباه ثابر على تهدئته». «لماذا لم يطلقوا الغاز المسيل للدموع؟» تسأل مريم وهي تقصد جنود الاحتلال الاسرائيليين. ثم تؤكد «اننا اليوم كما في السابق نتعذب وننزف ونذرف بدل الدمع دما». وتتأمل الصبية الاربعة الباقين لديها بينما تضم الى صدرها خميس في الخامسة من عمره وهو اصغرهم وتبوح: «آمل الا يكون الاسرائيليون هنا عندما يكبرون». ـ أ.ف.ب