بدأ الجيش السوري في خطوة مفاجئة تعد بادرة لاحتواء الاحتقان اللبناني سحب قواته من عدد من المواقع الحساسة في منطقة جبل لبنان ذات الأغلبية المسيحية والدرزية في اطار عملية اعادة انتشار اعتبرها وزير الدفاع اللبناني خليل الهراوي روتينية وليست ذات مغزى سياسي، فيما رحبت بها فرنسا واستقبلها البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير المعروف بمعارضته الشديدة لدمشق بارتياح عظيم معتبراً ان الطريق مازال طويلاً لاقامة علاقات متوازنة مع سوريا، ورأى وليد جنبلاط انها خطوة تصب في خانة تعزيز العلاقات. وغادرت قافلة طويلة من الشاحنات العسكرية والحافلات المحملة بالجنود، منطقة اليرزة في الساعات الاولى من بعد ظهر أمس في طريقها إلى وادي البقاع. وردد الجنود السوريون أثناء مغادرة القافلة لمنطقة اليرزة «بالروح بالدم نفديك يابشار» ولوح الجنود بصور رئيسهم السوري الراحل حافظ الاسد وبصورة الرئيس الحالي بشار الاسد. وقالت مصادر أمنية لبنانية أنه تم تفكيك سبعة مواقع للقوات السورية في ضواحي بيروت الجنوبية بما فيها موقع حدث وبير حسن وبرج البراجنة. وقالت المصادر انه سيتم نشر بعض هذه القوات السورية في منطقة البقاع أو دهور شوير، وهو موقع سوري على بعد 20 كيلومترا من بيروت. وقالت سيدة تقيم بالقرب من موقع للقوات السورية في منطقة اليرزة لوكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) «ان الجنود السوريين بدأوا في حزم أمتعتهم وغادرت قافلة أثناء الليل». ووقف سكان المنطقة ومعظمهم من المسيحيين في شرفات منازلهم يراقبون أفراد القوات السورية وهم يحزمون أمتعتهم ويغادرون المواقع في الشاحنات والحافلات. وقال بيان صادر عن مديرية التوجيه في قيادة الجيش اللبناني ان القوات السورية بدأت في إعادة الانتشار في منطقة اليرزة ومنطقة بعبدا التي تضم القصر الرئاسي، ومنطقة جبل لبنان. وقال البيان ان عملية إعادة الانتشار ستتم «بالتنسيق بين القيادات العسكرية المعنية في الجيش اللبناني والجيش العربي السوري الشقيق». وذكرت مصادر رسمية لبنانية أن عملية إعادة الانتشار السورية كان قد قررها الرئيس اللبناني إميل لحود ونظيره السوري بشار الاسد والقيادات المعنية في الجيش اللبناني والجيش السوري. وقبل مغادرة القافلة السورية موقع اليرزة اعرب ضابط سوري رفيع عن فرحته باخلاء الموقع وقال لرويترز طالبا عدم الكشف عن اسمه «لقد بدأنا عملية اعادة انتشار وقد اخلينا خمسة مواقع في اليرزة وها نحن نسلمها للجيش اللبناني». ولم يكن في المكان اي من ضباط الجيش اللبناني. ورفض الضابط الافصاح عما اذا كان سيتوجه مع قواته المنسحبة الى سوريا ام الى مواقع اخرى في لبنان لكن ضابطا برتبة ادنى استعار هاتفا محمولا من احد الصحفيين واتصل بزوجته في دمشق قائلا لها انه سيكون قريبا عندها بعد ان مر على غيابه عنها نحو عشرة ايام. ولم يشر الضابط الادنى رتبة الى ما اذا كانت عودته الى دمشق ستكون نهائية. وضمت القافلة التي غادرت الموقع ست شاحنات عسكرية كبيرة تحمل عتادا واسرة عسكرية وتجر راجمتي صواريخ وحافلة عسكرية كبيرة تحمل امتعة شخصية للجنود وسيارتي جيب تقل ضباطا سوريين رفعوا امام عدسات المصورين صورا للرئيس السوري بشار الاسد وارزة لبنانية وشارات النصر. وقال عقيد سوري لوكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) أن هذا الاجراء يتماشى مع معاهدة الطائف التي تم التوقيع عليها عام 1989 والتي وضعت نهاية للحرب الاهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 - 1990. ونص الاتفاق على انسحاب القوات السورية المتمركزة في البلاد منذ منتصف السبعينيات إلى منطقة البقاع الشرقية بعد فترة عامين من وضع دستور جديد للبلاد، والذي تم بالفعل عام 1990. من جانبه اكد وزير الدفاع اللبناني خليل الهراوي ان اعادة انتشار القوات السورية العاملة في لبنان هو عمل روتيني جرى في الماضي ويجري اليوم ولاحقا ولا يوجد له اي تفسير سياسي. وقال الهراوي في تصريح لوكالة الانباء الكويتية (كونا) ان اخلاء بعض المراكز للجيش السوري يتم عندما يحصل اي استتباب للامن او الاستقرار الامني وهناك مجال الان لاخلاء بعض هذه المراكز. واوضح الهراوي انه اذا كانت هناك حاجة لابقاء مراكز اخرى تابعة للجيش السوري فهي ستبقى وان لم تكن هناك حاجة فسيتم اخلاؤها. ونقلت مصادر مقربة من البطريرك الماروني صفير قوله «إننا تلقينا نبأ إعادة انتشار القوات السورية بارتياح عظيم، ولكن الطريق لا يزال طويلا لاقامة علاقات متوازنة مع سوريا». نقل ذلك عن صفير رئيس جمعية الصداقة اللبنانية ـ الفرنسية جيرار بابت عقب اجتماعه مع البطريرك المارونى على رأس الوفد البرلمانى الفرنسي المرافق له وبحضور فيليب لوكورتييه سفير فرنسا لدى لبنان فيما أبدى بابت من ناحيته ارتياحه ايضا لاعادة انتشار القوات السورية وقال بابت نحن نريد أن نرى في ذلك علامة ايجابية في بداية عملية التوازن لمصلحة لبنان وسوريا والمنطقة. مشيرا الى أنه سيبحث هذا الموضوع مع الرئيس السورى بشار الاسد خلال زيارته الى فرنسا. وأضاف انه ناقش مع البطريرك صفير مسألة السيادة وضرورة ايجاد توازن في العلاقات اللبنانية السورية كما تطرق الى مسألة العلاقات الخاصة التى تجمع الطائفة المسيحية في فرنسا مع نظيرتها في لبنان. على صعيد متصل قال جنبلاط لرويترز «هذه الخطوة تصب في صالح تعزيز الحوار الداخلي اللبناني وفي صالح التعزيز الايجابي للعلاقات اللبنانية السورية. ويبدو انها اتت نتيجة للخطوات التي يقوم بها الرئيس (اميل) لحود في تعزيز الحوار الداخلي». واضاف جنبلاط عند سؤاله عن دوره في الوصول الى هذه العملية «الموضوع عندي ليس موضوعا شخصيا فالمهم ان تكون العلاقة بين لبنان وسوريا سليمة وان يصب ذلك في صالح العلاقات الاخوية بين الدولتين اللبنانية والسورية». وقال النائب المسيحي المعارض نسيب لحود لرويترز «هذه حتما خطوة مرحلية ايجابية على طريق استكمال تنفيذ اتفاق الطائف. كما هي خطوة تساعد على بناء علاقات لبنانية سورية على اسس نقية وثابتة تمهد لشراكة استراتيجية حقيقية بين البلدين». الوكالات