مثل قبلة الحياة جاءت قرارات لجنة المتابعة العربية إذ سرت على ايقاعها روح الامل في الجسد العربي المترهل بالموات السياسي. فالقيمة الحقيقية لقرارات اللجنة الوزارية تتمثل في اضاءتها اكثر من شمعة على اكثر من جبهة في وقت واحد، وفي ضوء تلك الشمعات برقت مجددا امكانية تفعيل العمل القومي المشترك. الشمعة المفرحة الاولى اضاءت الجامعة العربية باعتبارها بيت العمل العربي، اذ التأمت اللجنة الوزارية استجابة لنداء عاجل من الامين العام الجديد للجامعة العربية عمرو موسى. وكانت الاستجابة أولا ثم الاجماع على القرارات التي انتهت اليها اللجنة ثانيا بمثابة مؤشر ايجابي للعرب المراهنين على احداث نقلة نوعية على صعيد العمل العربي مع تولي موسى أمانة الجامعة. ومن ثم تجاوزت الرؤية في ضوء الشمعة الثانية عمرو موسى باعتباره رجلا دبلوماسيا يمكن الرهان عليه إلى نجاح الرهان على ولوج نظام عربي جديد بدا حلما عصيا في ظلمة التشرذم العربي طوال العقد الماضي على وجه التحديد وهو ما حرض عليه موسى اللجنة الوزارية حين دعاها للدفاع عن مصداقية الأمة وهويتها. ربما تبدو قرارات لجنة المتابعة هزيلة في نظر بعض غلاة العرب، وقد تكون هي كذلك في ظل التحديات الماثلة والاسئلة العالقة امام الامة، ولكن المؤكد الذي يمكن ان يجمع عليه العرب ان هذه القرارات تمثل الحد الادنى المطلوب من التلاقي في ظل هذه الظروف، وهذه شمعة اخرى تضيء مساحة واسعة من الفرح العارم. واهمية هذا التلاقي انه يضع الامة العربية مجددا على طريق العمل العربي المشترك والفاعل فتتحسس الامة امكاناتها وقواها، وتستعيد ثقتها بنفسها وبقدرتها على النهوض كقوة اقليمية مؤثرة على ساحة العالم. الاكثر الحاحا من كل ذلك ان قرارات لجنة المتابعة تمثل محاولة عربية جادة لوضع اللبنة الصلبة الاولى في الجدار القومي المطلوب لحماية ظهر الانتفاضة الفلسطينية التي يواجه فتيانها واطفالها ونساؤها آلة حرب شرسة وعمياء. فاقامة هذا الجدار ضرورة ملحة ليس لحماية الفلسطينيين فقط وانما لجعل شارون يرى انه يصادم داخل نفق مغلق.قيام الجدار العربي القومي يجسد مصدا فعليا لكبح ارهاب شارون ومطامعه غير المشروعة التي تستهدف الاستفراد بالعرب جبهة تلو جبهة أو اشعال جبهات عدة مستفيدا من حالة التصدع العربية. من المؤكد ان قوى كبرى ستعيد حساباتها في المنطقة حين ترى العرب يعيدون رص صفوفهم وتجاوز تصدعهم الذي اعتبره الآخرون مزمناً. فإحدى شمعات لجنة المتابعة المضيئة تتمثل في أن قراراتها جاءت في مجملها رسالة عربية قوية إلى العالم بأن هذه الأمة لا تستسلم ولا تستكين وأنها قادرة دائماً على النهوض حتى وان كانت تحت الأنقاض أو الرماد. ونبهت لجنة المتابعة أقطاب العالم إلى خطورة ما يمارسه شارون في هذه المنطقة الحيوية التي تشكل قلب العالم بمعايير التاريخ والجغرافيا والمصالح الاقتصادية والسياسية والعسكرية. وفتحت لجنة المتابعة أبصار القوى الكبرى في العالم على ان الارهاب الذي يتسلح به رئيس الوزراء الاسرائيلي لن يفرز غير التشدد، ولكل فعل رد فعل موازٍ. الأكثر أهمية من ذلك النظرة العميقة التي أطرت فيها اللجنة العنف الدائر في الأرض المحتلة، فأكدت اللجنة العربية أن شارون دفع عملية السلام إلى الوراء كثيراً بحيث لم يعد الهم العربي يدور حالياً حول البحث عن جهود لدفع عملية السلام، إذ قصفها شارون بدباباته وطائراته المقاتلة من طراز الأباتشي وإف ـ 16. وإعادة القضية العربية إلى منظورها القومي باعتبارها صراعاً عربياً اسرائيلياً تشكل شمعة مبهرة فعبر ذلك وحده تكتسب القضية العربية مرجعيتها القومية وتستقطب زخمها الشعبي وتخرج من مأزق القطرية الذي أقعدها وأصابها بوهن أغرى بها العدو الاسرائيلي حيث دأب كل رئيس حكومة اسرائيلية على ان يتصلب أكثر من سابقه مستفيداً من حالة الضعف والقعود العربي. لجنة المتابعة لم تضع قاعدة لصناعة السلام في المنطقة، ولكنها وضعت اللبنة العربية الأولى لوقف حرب شارون. كتب المحرر السياسي