استخدام المقاتلات إف 16 ضد الفلسطينيين العزل يعكس عزم شارون على تصعيد آليات القمع في محاولاته لاحتواء الانتفاضة واستعداده للتوغل في سياسة العنف، لكن الأهم من ذلك ان استخدام هذا الطراز من المقاتلات المتطورة يعكس في الوقت نفسه مدى اليأس الذي بلغه شارون إزاء اخفاقه في قمع انتفاضة الأقصى. وتصعيد شارون ويأسه يفتحان المنطقة على أبواب المجهول، ذلك ان سيرة رئيس الوزراء الاسرائيلي تشكل في مجملها مسلسلاً من الإرهاب المنظم لترويع الفلسطينيين خاصة والعرب عامة على نحو ما يمثل في الوقت نفسه نسيجاً من خيبة الأمل المفضي الى اليأس غير ان أخطر ما في حماقات شارون الحالية انها تأتي تحت غطاء أمريكي تشكل «إف 16» أحد مظاهره. ففوز شارون على باراك في الانتخابات الأخيرة كان تعبيراً عن حالة الاحباط التي تمكنت من المجتمع الاسرائيلي إزاء حالة اللاسلم واللا أمن التي ظل يعيشها تحت سقف الحكومات المتعاقبة على خلفية وعود بالأمن المفقود. فأرييل شارون يجسد خيار التشدد الصهيوني القبيح إذ صعد الى حلبة السياسة على رصيد عسكري يمثل اغراءً لغلاة المتشددين والمستوطنين اليهود الطامعين في الأرض والسلام والذين يرفضون قبول الفلسطينيين في الجوار. بدأ ارييل شارون التعبير عن ميوله الارهابية وهو صبي في الرابعة عشرة من العمر حينما التحق بعصابات الهاجاناه التي كرست نشاطها لترويع الفلسطينيين عبر عمليات ارهابية وحشية. وفي العام 1952 شكل شارون فرقة قوامها مجرمون قضوا فترات طويلة داخل سجون اسرائيل عرفت فيما بعد بـ «القوة 101» ذهبت أبعد على طريق الارهاب، وتمثل عملية قرية قبية احدى أفظع عمليات تلك الفرقة. وشارك شارون في كل الحروب العربية الاسرائيلية بدءاً من 1948 مروراً بـ 56 و67 ثم 73 ونفذ مشروعه الحربي الخاص عندما اجتاح بيروت في 1982، غير ان كل تلك المعارك عمقت لدى شارون الاحساس بالاحباط المفضي إلى اليأس، إذ لم يتحقق حلمه الاستيطاني المستقر. فبعد نحو 30 سنة على مجزرة قبية وجد شارون نفسه يتوغل في الدم الفلسطيني في مجزرة صبرا وشاتيلا، فأثار حفيظة الرأي العام ولجان حقوق الانسان وغضب عدد من الساسة داخل اسرائيل بما في ذلك رئيس الحكومة آنذاك مناحم بيجن الذي اكتشف ان وزير دفاعه قد خدعه. كان شارون يتوهم ان طرد المقاومة الفلسطينية من لبنان يمثل نهايتها، لكن خيبته كانت فادحة وهو يرى رموز المقاومة الذين ركبوا البحر من بيروت استطاعوا أن يعودوا للقتال من على أرض فلسطين. ولما أخفقت الرهانات الاسرائيلية على نتانياهو في تحقيق الحلم الاستيطاني المتمثل في الفوز بالأرض والأمن حمل اليهود الجنرال باراك إلى سدة السلطة غير ان الخيبة قصرت عمر حكومته فجاء البلدوزر الاسرائيلي محمولاً على رهانات غلاة المتشددين واحلامهم في وعوده بالأمن معتمداً على العنف ومفضلاً الخيار العسكري لتثبيت صفقة على المسارالسياسي. لكن خيبة شارون والمراهنين عليه باتت أكثر فداحة مع تحول انتفاضة الأقصى الى حرب استنزاف حقيقية، فمع دخولها الشهر الثامن لا تزال الانتفاضة الفلسطينية قادرة على الاحتفاظ بوهجها الشعبي وابتكار أدواتها والاحتفاظ بجرأتها على تنفيذ عمليات استشهادية ونوعية ومتميزة أصابت البلدوزر وجنرالاته بمس من الهستيريا انعكس في التصعيد العسكري الذي مارسوه وحول الأرض الفلسطينية الى ساحة حرب حقيقية استخدمت فيها اسرائيل كل أشكال السلاح في ترسانتها ولم تدخر شيئاً بما في ذلك الأسلحة المحرمة. مضى شارون أبعد من ذلك في عنفه فتوغل في أرض السلطة الفلسطينية وأعاد احتلال بيت حانون دون أن يفلح في كسر الارادة الفلسطينية المثابرة في الصمود. كانت عملية بيت حانون على وجه الدقة مفصلاً أساسياً في محاولات شارون الفاشلة والمدعومة بسند أمريكي، فمن الواضح ان البلدوزر الاسرائيلي الذي بادر فور فوزه في الانتخابات بالهرولة إلى البيت الأبيض عرض فيما يبدو نهجه الارهابي على الرئيس الأمريكي وانتزع منه ما يريد، فقد ظلت الادارة الأمريكية تتجاهل الحقائق والمشاعر العربية حتى بلغت آليات شارون بيت حانون فأمرته بالانسحاب منها ورضخ. كانت الادارة الأمريكية تدرك ان شارون تجاوز في بيت حانون خطاً أحمر يمكن أن يضع المنطقة على حافة المجهول، دون ذلك عمدت الادارة الأمريكية إلى دعم طروحات شارون المعززة بالآليات العسكرية والتي تهدف إلى كسر الارادة الفلسطينية ودفعها إلى طاولة المفاوضات مجهدة جريحة. فقد ظلت الادارة الأمريكية تسمي الأشياء وفقاً للرؤية الصهيونية، فترى في عمليات الفلسطينيين العزل عنفاً تطالب بوقفه وتعتبر القصف الاسرائيلي ـ بما في ذلك استخدام الأباتشي و«إف 16» ـ دفاعاً مشروعاً عن النفس. ما يمارسه شارون يتفق في الأصل مع النهج الأمريكي، إذ دأبت واشنطن على ممارسة العنف والإرهاب حين تشاء واينما تريد مبررة ذلك كله بالدفاع عن النفس واحتواء الارهاب، فعلت ذلك حين ضربت قصر العزيزية في طرابلس وعندما دمرت مصنع الشفاء في الخرطوم. أمريكا لا تفهم غير لغة العنف ولهذا استبدلت لغتها حين اصطدمت بالعنفوان الصيني الذي أذل كبرياءها عقب حادث طائرة التجسس. وشارون مثل أمريكا لن يفهم غير هذه اللغة لذلك يفقد اتزانه وتوازنه أمام الصمود الفلسطيني في وجه ماكينة القمع الاسرائيلية الشرسة. فرغم الخسائر الفادحة في البيوت والمزارع والبنى التحتية ومع تعدد الشهداء لا يزال الفلسطينيون عازمين على المصادمة. وفي مقابل التصميم الفلسطيني على المجابهة والاصرار على مواصلة انتفاضة الأقصى دون أن يرتفع صوت فلسطيني للمطالبة بالتراجع يجأر الاسرائيليون مطالبين بنهاية عاجلة بحثاً عن وهم الأمن المفقود. ومع كل عملية فلسطينية جريئة وقصف اسرائيلي أهوج تعيد الادارة الأمريكية حساباتها خوفاً من انزلاق شارون إلى هاوية تشعل المنطقة، أو على الأقل تحرض على مغامرة تصيب المصالح الأمريكية بضربة دامية. فإدارة بوش عندما أجبرت شارون على اخلاء بيت حانون كانت تريد أن تبقي النار خارج بيتها وليس حماية للفلسطينيين.