التصعيد الخطير للعدوان الوحشي الذي تشنه قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني، والذي انتقل من دائرة حصد أرواح المدنيين العزل والأطفال الأبرياء، إلى دائرة تدمير البنى التحتية للسلطة الفلسطينية، وتحطيم مقومات الحياة، أعاد اكتشاف حقيقة تلازمت مع بدايات نكبة اغتصاب فلسطين وغابت عن إدراكنا منذ انطلاق مسيرة كامب ديفيد للتسوية السلمية للصراع العربي الصهيوني. مؤدى هذه الحقيقة الماثلة للعيان، أن العدوان الإسرائيلي دائماً ينطلق بعد الإشارة الخضراء الصادرة له من واشنطن، والتي توفر غطاءً لجرائمه وتمده بدرع تحميه من الإدانة الدولية، وتحيطه بسياج من قرارات الفيتو التي تشل يد العدل والشرعية الدولية، وتجعله بمنأى عن أية مساءلة أو عقوبات ذكية وغير ذكية، وتضعه في مرتبة «غير قابل للمس»، من جانب أي منظمة دولية أو إقليمية، وتدخل في وعي العالم أن إسرائيل كيان متمتع بالحصانة الأمريكية، ولا سبيل للنيل منه، وتحت أقدامه تُداس الشرعية الدولية باسم شريعة الهيمنة وسطوة القوة والانفراد بإدارة نظام دولي غاب عنه العدل وضاعت فيه الحقوق، وتحول إلى بورصة لتداول كل ما هو زائف. وبجرأة لا تتوفر إلا لفاقدي الحس والضمير، وتستمد من ميراث قاطعي الطرق، وعصابات المغول والتتار، أطلق المندوب الأمريكي رئيس مجلس الأمن الحالي جيمس كوننجهام تهديده لأعضاء المجلس الخمسة عشر، بعدم العودة لطرح اقتراح إرسال قوة دولية لحماية الشعب الفلسطيني، زاعماً بكل غطرسة القوة والزيف أن الوقت غير ملائم لبحثه، وملوّحاً للجميع باستخدام «الفيتو» لإحباط أية محاولة لمناقشة الاقتراح أو استصدار قرار ضد إسرائيل، أو الاجتراء على التنديد، مبطناً كلامه، بمعانٍ لم تغب عن أذهان سامعيه، مفادها أن إسرائيل هي الإبنة المدللة والحليفة الاستراتيجية لبلاده، وأن ما يغضبها يعكّر صفو ومزاج واشنطن، وقد يدفعها لوضع المزيد من الدول التي تجاهر بإدانة اسرائيل على قائمة الدول المارقة الخارجة على الشرعية الصهيو ـ أمريكية. والحاصل، إن الأذن الأمريكية تصاب بالصمم دائماً كلما تعلق الأمر بالعدوان الإسرائيلي ضد العرب في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو مصر، حتى لو هز دوي القنابل أرجاء العالم، وترددت أصداؤه، وشوهدت مشاهد المذابح على شاشات المحطات الفضائية. حدث هذا، وصار ميراثاً راسخاً للتعاطي الأمريكي مع العدوان الإسرائيلي، منذ مذابح دير ياسين ويافا وحيفا وعكا والقدس في النكبة الأولى، وتكرر كثيراً حتى عندما طالت قنابل الإرهاب الإسرائيلي مكاتب وكالة الإعلام الأمريكية بالاسكندرية في الخمسينيات في واقعة اشتهرت بفضيحة «لاقون»، وعندما حصدت قنابل «النابالم» الأمريكية أرواح عمال أبي زعبل وأطفال مدرسة بحر البقر ظلت واشنطن صامتة، وعندما نفذ الإرهابيون الإسرائيليون مذابح صبرا وشاتيلا، طال الصمت الأمريكي، ولم تحرك الإدارة الأمريكية يدها الطويلة جداً، إلا لإخراج إسرائيل من ورطتها، وبدأت ماكينتها الدبلوماسية والإعلامية تروّج وتسوّق ترسانة من المصطلحات الزائفة لتضليل الرأي العام العالمي، ولمحاصرة أي فعل للمقاومة العربية، عبر خلطها المتعمد بين الإرهاب والمقاومة كحق مشروع، وصوّرت بجبروتها المتحكم في الفضائيات والأجواء المقاومة على أنها «إرهاب»، أما «الإرهاب» الصهيوني الصارخ، فهو في نظرها مجرد «انتقام» مشروع، حتى ولو كان من طفل بريء لم ينطق كلماته الأولى بعد. صحيح، إن التلويح باستخدام الفيتو هذه المرة، لا يرقى للسوابق الأمريكية، فهناك أكثر من 160 فيتو أمريكياً استخدم ضد الحق العربي منذ النكبة وحتى الآن، لكنه هذه المرة ضبط واشنطن معزولة عن العالم، وخارجة على الشرعية الدولية، ففي الوقت الذي كان المندوب الأمريكي يصطف إلى جانب المندوب الإسرائيلي في لعبة التحايل على الشرعية الدولية، كان رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي يعلن أن الاستيطان الصهيوني جريمة من جرائم الحرب، وأن جيش الاحتلال الإسرائيلي غارق في وحل جرائم الحرب، ولا بديل عن إرسال قوات دولية لحماية الشعب الفلسطيني، وقبله بدأت أوروبا اتخاذ موقف ينحاز للعدل والشرعية. هذه الصورة التي تظهر عُزلة واشنطن بعد انكشاف لعبتها المفضّلة في انتهاك كل الشرعيات الدولية عدا شريعة قوتها، تحرّض كل المنظمات العربية والإسلامية والإقليمية الصديقة مثل مجموعة دول عدم الانحياز، والتجمعات الآسيوية والأفريقية، إلى التحرك لإحباط درع الفيتو الأمريكية التي لا يقل جرمها عن جرم العدوان الإسرائيلي، فهي تُظهر واشنطن ليس كراعية سلام بل كشريك وراعٍ رئيسي للإرهاب الصهيوني. وحتى يصبح للكلمات معنى، فلابد من تحرك عربي، يضع الإدارة الأمريكية أمام خيارها، إما الحفاظ على مصالحها الواسعة في وطننا أو التضحية بها من أجل عيون الإرهابيين الإسرائيليين.