غداة الضربة الجوية التي خلفت قتيلين و20 جريحاً الليلة قبل الماضية, امضى العراقيون ليلة قلقة خشية تكرار الغارات المفاجئة التي وضعتها الادارة الامريكية في خانة (الدفاع عن النفس) واعتبرتها الحكومة البريطانية، (عملاً انسانياً. بينما توعدت بغداد بالرد على العدوان مطالبة بضرب مصالح الدولتين في العالم العربي والامتناع عن استقبال (مجرم الحرب) وزير الخارجية الامريكي كولن باول في جولته العربية الوشيكة معتبرة ان العدوان الامريكي البريطاني تمهيد لعدوان اسرائيلي ضد العرب والفلسطينيين. واعربت غالبية البلدان العربية عن ادانتها للقصف مطالبة بحل سياسي للمسألة العراقية يعيد للامة العربية توازنها الامني. وبينما نفت كل من الكويت وتركيا استخدام اراضيهما لشن الغارات تباينت ردود الفعل الدولية ما بين الادانة كما فعلت روسيا والصين أو التأييد السافر كما فعلت كندا في حين شاب الغموض موقف فرنسا التي اكدت عدم ابلاغها بالهجوم مسبقاً. وانشغلت الادارة الامريكية امس بتبرير الغارات التي تعد الاكبر من نوعها منذ عملية (ثعلب الصحراء) عام 1998 حيث شارك فيها نحو 80 طائرة حسب معلومات تسربت لاحقاً. وكشف مسئول بوزارة الدفاع الامريكية عن المزيد من التفاصيل والدوافع التى دفعت بريطانيا والولايات المتحدة الى شن الغارة الجوية السريعة الليلة قبل الماضية ضد مواقع القيادة والتحكم العراقية. ونقلت صحيفة (واشنطن بوست) فى عددها الصادر امس عن المسئول الذى طلب عدم ذكر اسمه قوله ان تقارير المخابرات الامريكية أظهرت ان الجيش العراقى كان على وشك ربط مواقع التحكم والقيادة للدفاعات ضد الطائرات بكوابل الياف ضوئية تحت الارض يصعب رصدها أو تدميرها. وأضاف مسئول البنتاجون أن اختيار توقيت الغارة استهدف ضرب كوابل الالياف الضوئية وهى تحت الانشاء. وذكرت الصحيفة أن أهم مايميز العملية الاخيرة ضد العراق من الناحية العسكرية هو اعتمادها بصفة خاصة على الاسلحه والذخيره بعيدة المدى ودقيقه التصويب0 وعلى الرغم من أن ايا من الطائرات الامريكية تجاوزت خط عرض 33 الذى يمثل نهاية منطقة الحظر الجوى الجنوبية فقد تم قصف أربعة مواقع على اطراف بغداد من على بعد اميال. وذكرت (واشنطن بوست) ان ابعد المواقع التى استهدفتها الهجمات هو موقع الرادار الذى قال البنتاجون أنه يسمى تاجى ويبعد 50 ميلا من الطائرة التى استهدفته. وقد استخدم فى قصف الموقع قنابل من طراز (ايه جى ام 130) الموجهة باستخدام الاقمار الصناعية. وذكر مسئول بوزارة الدفاع الامريكية أنه قد تم استخدام تلك القنابل فى الهجوم على القوات اليوغسلافية بكوسوفو عام 1999 ولكن من مسافه أقرب. وقال مسئول بالبنتاجون أنه منذ بداية العام الحالى أطلق العراق 13 صاروخا أرض جو ضد الطائرات الامريكية مقارنة بمعدل صاروخ شهريا خلال اعوام سابقة. وأضاف ان العراق كان يطلق نيران المدفعية المضادة للطائرات ضد أهداف امريكية بصفة يومية. وذكر المسئولون الامريكيون أن قلق قادة القوات الامريكية فى الشرق الاوسط دفعهم مؤخرا الى طلب الاذن بشن عملية واسعة النطاق ضد مواقع الرادار التى كانت ترصد الطائرات الامريكية. ونقلت الصحيفه عن المسئولين قولهم أن الطلب تدرج بين القيادات حتى عقد بوش اجتماعا مع فريق الامن القومى اعطى فى نهايته الضوء الاخضر بشن الهجوم. وذكر خبير عسكرى بأن هذه الغارة شهدت استخدام الجيل القادم من الاسلحة دقيقة التصويب. وطبقا للتقارير الامريكية فقد وصل عدد الطائرات التى شاركت فى الغارة سواء بمهام هجومية او مهام مساعدة 80 طائرة على الاقل من بينها24 طائرة امريكية مقاتلة من طراز اف 16 وتسع طائرات من طراز ار ايه اف بينها ست طائرات ترونادو بريطانية وشاركت فى الغارة طائرات امريكية من طراز اف 14 و اف 18 انطلاقا من حاملة الطائرات الامريكية هارى ترومان المرابطة فى الخليج. وقد اطلقت ست طائرات تورنادو (جى ار 1) صواريخ (بيفواى) الموجهة باستخدام اشعة الليزر والممكن ان تصيب الهدف من ارتفاع 35 الف قدم, وتصل سرعة هذا الطراز من الطائرات التى استخدمت فى الهجوم 600 ميل فى الساعة مع حمولتها الطبيعية وتصل الى الاهداف فى العراق من قواعدها خلال دقائق. وكانت بريطانيا قد قالت امس ان الغارات كانت عملاً انسانيا! واضاف جيف هون وزير الدفاع البريطاني ايضا ان اطقم الطائرات البريطانية من حقها الدفاع عن نفسها اذا تعرضت لهجوم من الدفاعات الجوية العراقية. ورفض القول بأن الغارات قرب بغداد مساء امس الاول كانت مناورة لانقاذ ماء الوجه لان العقوبات المفروضة على العراق لم تأت بالنتائج المرجوة. ومضى هون يقول لهيئة الاذاعة البريطانية (انها تهدف الى حماية الناس في العراق.. اجراء انساني لضمان الا يستطيع صدام حسين من جديد ان يطلق العنان لقواته لتلحق اضرارا بهؤلاء الناس واضاف (طيارونا هناك لاغراض انسانية). وفي تصريح لاحق اعلن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير انه سيستمر في منع الرئيس العراقي من احداث مزيد (من الاضرار والمعاناة والقتلى). وقال بلير في بيان ان (عمليات كتلك التي نفذت الليلة قبل الماضية لن تكون ضرورية في حال اوقف صدام حسين هجماته علينا). ومضى يقول (طالما انه يقوم بذلك سأستمر في اتخاذ التدابير الضرورية لحماية قواتنا ومنع صدام من احداث مزيد من الاضرار والمعاناة والقتلى). وكانت وزارة الصحة العراقية اعلنت ان عراقيين قتلا واصيب عشرون بجروح في الغارات التي نفذت في ضواحي بغداد, طبقا لما جاء في احدث حصيلة رسمية. وفي اطار ردود الفعل الغاضبة في بغداد دعا مسئول عراقي الدول العربية الى (ضرب المصالح الامريكية والبريطانية) في العالم العربي والامتناع عن استقبال (مجرم الحرب) كولن باول الذي يفترض ان يقوم الاسبوع المقبل بجولة تشمل عددا من البلدان العربية. وفي تصريح لوكالة فرانس برس, قال الامين العام لمؤتمر القوى الشعبية العربية سعد قاسم حمودي الذي يدرك مدى رفض الرأي العام العربي الشعبي لهجوم من هذا النوع ان (الرد الشعبي العربي ينبغي ان يكون بمستوى التحدي والصلف الامريكي الصهيوني وبمستوى المسئولية التاريخية لدحر المؤامرة واسقاط مراهناتها الشريرة). ودعا حمودي (جماهير الامة العربية وطلائعها المناضلة) الى (تعزيز كل اشكال الغضب العارم وضرب المصالح الامبريالية والبريطانية على امتداد وطننا العربي الكبير). وطالب حمودي العضو البارز في حزب البعث الحاكم في العراق (الحكومات العربية الشقيقة برفض استقبال مجرم الحرب كولن باول تعبيرا عن الرفض لسياسة العدوان الامريكي). كما دعا الى (التصدي لمبعوث واشنطن اذا حاول تدنيس الارض العربية بتجسيد حقدها على استمرار العدوان الامريكي البريطاني على العراق ومواصلة الحصار الظالم المفروض عليه). وعلى صعيد ردود الفعل وبعد ادانة الجامعة العربية للقصف قال عبدالاله الخطيب وزير الخارجية الاردني ان الاردن يرفض باستمراراستخدام القوة والمساس بسيادة وحرمة الاراضى العراقية مؤكدا ان الاردن يدعو على الدوام الى وقف كل ما يقع من اعمال خارج نطاق قرارات مجلس الامن فى منطقة الخليج. واوضح ان الامور تثبت وبشكل قاطع ان استخدام القوة لن يقدم اى حل بل يزيد الامر تعقيدا فى المنطقة بأسرها مجددا دعوة الاردن الى رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق والى انتهاج الحوار كأسلوب وحيد بين العراق والامم المتحدة بصورة تضمن عودة العراق الى صفوف امته والى المجتمع الدولى. وهاجمت سوريا وروسيا الغارات الامريكية الاخيرة على بغداد ورأتا أن انهاء الازمة العراقية لن يتم الا عن طريق حل سياسي طال انتظاره. وأوضح الكسندر سلكانوف مدير ادارة الشرق الاوسط وشمال افريقيا فى الخارجية الروسية أن موسكو تشاطر موقف دمشق من أن الضربات على بغداد لن تؤدى الى أية نتائج ايجابية. وقال فى رده على سؤال بعد لقائه مع فاروق الشرع وزير الخارجية السورى حول موقف دمشق أنه حان الوقت بالفعل لكى نخلق البيئة الافضل لايجاد الحل السياسى ونعتبر أن الخطوة الاولى لهذا الاتجاه ستكون الحوار بين العراق والامم المتحدة نهاية هذا الشهر). كما ندد وزير الخارجية الجزائري عبدالعزيز بلخادم بالقصف الامريكي مؤكدا رفض بلاده لاستمرار هذه الغارات على الاشقاء في العراق معتبراً انه انتهاك للشرعية الدولية. ودعت صحيفة (الرياض) السعودية الى ضرورة التوصل لحل منطقي للمسألة العراقية ووقف العقاب الجماعي للشعب العراقي معتبرة ان اطالة امد الحصار اصبح سياسيا اكثر منه امنيا وطالبت ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش وضع معايير للتعامل مع العراق ككيان لا كسلطة عابرة. وفي فلسطين المحتلة احرق المتظاهرون الاعلام الامريكية والبريطانية والاسرائيلية وصور الرئيس الامريكي بوش ودعوا العرب لمقاطعة زيارة كولن باول وزير الخارجية الامريكي. واقليميا اعتبرت اذاعة طهران القصف تجسيداً لنزعة المقامرة لدى بوش, ورفضت تركيا القصف معتبرة انه خطير جدا وانها تأمل في عدم تكراره واكدت على لسان وزير خارجيتها اسماعيل جيم ان قاعدة انجرليك لم تستخدم في هذا العدوان, وفي معرض استنكارها دعت باكستان الى عدم المساس باستقلال وسيادة العراق. ــ الوكالات
