قلق عربي وعالمي من أخطار المرحلة الشارونية

سادت حالة من الترقب والقلق الشرق الاوسط والعالم مع وصول الارهابي ارييل شارون لسدة الحكم في اسرائيل وافرزت مواقف اولية لكافة الاطراف: السلطة الفلسطينية تهنئ شارون وتحذره من نتائج دموية للتراجع عن الاتفاقات. مصر تلوح بقمة مارس العربية والاردن ولبنان يتأهبان للتهديدات المتوقعة. واشنطن تدعو الزعماء العرب للصبر وتلوح بسلاح المساعدات فيما الاتحاد الاوروبي يشدد على المفاوضات من حيث توقفت. اما شارون فمستعد للتضحية بيده ولسانه من اجل رفض اية مرونة حول القدس! وبدأ شارون حقبته بزيارة قبر زوجته وزيارة حائط البراق في القدس للصلاة حيث قال (جئت ازور القدس, عاصمة الشعب اليهودي الموحدة غير القابلة للتقسيم منذ ثلاثة آلاف سنة حيث يوجد جبل الهيكل اني اشعر بالتأثر كلما جئت الى هنا وهو حالي اليوم آمل في ان احمل الامن والسلام). وكانت اللجنة الانتخابية الاسرائيلية اعلنت النتائج غير الرسمية لرئاسة الوزراء والتي قضت بفوز غير مسبوق لشارون على باراك بواقع 5.62% مقابل 5.37% وبواقع 25 نقطة. وفيما كان باراك يعلن تنحيه عن زعامة حزب العمل وانسحابه من الكنيست كان شارون في ليلة الانتخابات يدعو الفلسطينيين لوقف الانتفاضة ويستعين بنصوص تلمودية تؤكد استعداده لقطع يده ولسانه حال تراجعه عن ابقاء القدس موحدة وعاصمة ابدية لاسرائيل. واثر تنحي باراك فإن فكرة حكومة الائتلاف الموسعة بزعامة شارون تعطلت الى حين حيث بدأ الاخير بحسب مقربيه اقامة حكومة متطرفة ضيقة مع اغراء للعمل باعطائه حقائب مهمة من ضمنها وزارة الخارجية لشيمون بيريز الذي غازل شارون امس بوصفه خلال مقابلة مع صحيفة (دي برس) النمساوية بالرجل (الحكيم والجذاب والصديق). وبحسب الصحافة العبرية فإن شارون كلف وفداً من مقربيه للقيام بزيارة عاجلة الى واشنطن لاقناع ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش بموقفه الرافض لخطة سلفه بيل كلينتون في مؤشر لرفضه استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين من حيث انتهت في طابا اضافة لتكليف احد مستشاريه بجولة في عواصم عربية للتهدئة. في هذه الاثناء ذكرت الاذاعة العبرية ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعث ببرقية تهنئة لشارون لكن تصريحات المسئولين الفلسطينيين تكشف القلق وتوجس الخطر رغم آمال عرفات في برقيته بسلام الشجعان. فقد حذر وزير التخطيط الفلسطيني نبيل شعث من ان (انهاء شارون للاتفاقات من جانب واحد يضعه في مواجهة فلسطينية عربية ودولية ويقذف بالمنطقة الى اتون الصراع الدموي) كما هدد باعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد. وكان 17 فلسطينياً اصيبوا امس خلال المواجهات المستمرة مع جنود الاحتلال فيما تسبب خطأ في انفجار جسم مشبوه بمقر الامن الوقائي في مدينة غزة لم يسفر عن اصابات وسط دعوة قيادة حركة فتح الى تصعيد المواجهات في وجه السفاح شارون وعدم التفاوض معه رغم تخفيف تكتيكي وجزئي للحصار الاسرائيلي على قطاع غزة. وعلى خلفية تقارير عن حالة قلق في أوساط ادارة الرئيس الامريكي جورج بوش من فوز شارون وهو ما سيدفعها للانخراط في عملية السلام وربما اسناد دور مهم لوليام بيرنز السفير الامريكي لدى الاردن فيها اتبعت هذه الادارة خلال تصريحات مسئوليها الترقب الحذر. وقال وزير الخارجية الامريكية كولن باول الليلة قبل الماضية ان (الولايات المتحدة مستعدة للانخراط في المسعى من أجل السلام). واستطرد الوزير الامريكي قائلا ( لن نتخذ موقفا يتسم بالفتور من الشرق الاوسط ولكننا في الوقت ذاته نريد التأكد من أن البحث من أجل السلام ــ مسعى السلام ــ يجري في سياق إقليمي موسع لأن المسعى لن يصمد بمفرده ومن تلقاء نفسه ) حيث تشير لفظة مسعى الى اليأس والاحباط. وقال باول (هذا الوقت يقتضي منا توخي الصبر وانتظار ما يقوله الشعب الاسرائيلي ومنح الفائز فرصة لكي يقرر نوع الحكومة التي سيشكلها كنتيجة لذلك وحث جميع الزعماء وجميع المواطنين في المنطقة على الاحجام عن ارتكاب أي أفعال من شأنها إثارة العنف). واعترف باول في مؤتمره الصحفي بقوله ( أن الضغط اللفظي لا يعد مصطلحا سيئا وعمليا يعد ذلك أفضل ما في وسعنا أن نعمله الان). ثم أردف قائلا (وأننا نأمل في أن يدرك الزعماء في المنطقة الاهمية المطلقة لكبح الانفعالات والعواطف). ويتضح من السياق أنه كان يعني الزعماء العرب. إذ قال (وإذا فعلوا ذلك وإذا منحوا الحكومة الاسرائيلية القادمة الوقت لارساء وتحديد سياساتها عندئذ سوف تتمخض أمور طيبة نتيجة لذلك حتما علاوة على التلويح بالضغط باستخدام سلاح المساعدات). وقال باول أنه يوجه (نداء مفعماً بالعاطفة من أجل ممارسة ضبط النفس حتى يتسنى لنا تجاوز مرحلة الضغط اللفظي والانتقال إلى الانشطة البناءة). ومضى قائلا ولكن إذا ما استمر العنف وإذا ما مضى الجانبان في تبادل إطلاق النار (فلن يثمر الموقف عن أشياء طيبة). وعلى الجانب العربي ساد الترقب الحذر ايضاً بشكل مختلف. ففيما تركزت التصريحات الاولية للرئيس المصري حسني مبارك ووزير خارجيته عمرو موسى حول انتظار مواقف وافعال شارون وعدم اعتماد اقواله الانتخابية الظلامية مع التذكير بتاريخه الاجرامي حذر اسامة الباز المستشار السياسي للرئيس المصري من ان انتهاج شارون سياسة المواجهة سيؤدي الى (اثر سلبي) على قرارات يمكن ان تتبناها القمة العربية المقررة في العاصمة الاردنية عمان في مارس المقبل. ولم ينس الباز التذكير بشعارات شارون الانتخابية الرخيصة وترجح انتخابات اسرائيلية مبكرة حال اخطأ الاخير الحساب. وفي الاردن التي كان شارون استهدفها بالفتنة مع الفلسطينيين طمأن الملك عبدالله الثاني شعبه من عدم تأثر الوضع الداخلي سلباً بالانتخابات الاسرائيلية فيما قال رئيس وزرائه علي ابو الراغب في معرض دعوته للانتظار (نحن لسنا دولة كرتونية او ديكوراً وانما دولة لها جذورها التاريخية وقدراتها وقوتها وتستطيع مواجهة جميع انواع التحديات). ساحة الصراع العربية الاخرى المهددة بالظاهرة الشارونية هي لبنان التي شهدت حدوده مع اسرائيل امس ولأول مرة منذ تحرير الجنوب دوريات راجلة للاحتلال تصاحبها كلاب بوليسية بعد قصف ليلي بالقذائف المسمارية رداً على تحركات لحزب الله الذي اكد استعداده للمواجهة مع تحذير شارون من الاقدام على اي حماقة عسكرية. وكان الرئيس الامريكي جورج بوش بعث برسالة تطمين لنظيره اللبناني اميل لحود تؤكد التزام واشنطن باستقلال لبنان وسلامة اراضيه والعمل لاستكمال القرار 425 في اشارة الى مزارع شبعا اللبنانية المحتلة. واعتبر لحود في بيان امس فوز شارون لا يصب في اتجاه السلام العادل الشامل والدائم مطالباً المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لمواجهة اي مغامرة تهدد المنطقة. اما رد بغداد فكان باعلان عضو مجلس قيادة الثورة العراقي علي حسن المجيد امس تشكيل اول لواء من فرق (جيش القدس) لتحرير فلسطين من البحر الى النهر فيما اعتبرت الصحف الرسمية السورية فوز شارون بمثابة اعلان رسمي للحرب. وعلى الساحة الدولية اجمع الاتحاد الاوروبي وتصريحات جميع قادة دوله المؤثرة على مطالبة شارون باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين من حيث توقفت على اساس القرارين الدوليين 242 و338. ولم يستبعد سكرتير الدولة الاسبانية للشئون الخارجية ميكيل نادال امس عقد مؤتمر دولي جديد للسلام في مدريد بعد عشر سنوات على المؤتمر الأول في عهد الرئيس جورج بوش الأب. مبعوث الامم المتحدة الخاص للسلام تيري رود لارسن حث من جهته شارون على الاسراع باستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين لتجنب النزاع الاقليمي. وقال لارسن في حديث لرويترز في القدس (المحادثات يجب ان تستأنف على الفور على اساس قرارات الامم المتحدة ذات الصلة والنقاط التي تم التوصل اليها بين الجانبين في المفاوضات). وأضاف (الامن دون سلام وهم. دون التوصل الى سلام سيتدهور الوضع الامني وقد يمتد الامر الى بقية ارجاء المنطقة).

طباعة Email
تعليقات

تعليقات