انطلقت في المدن الليبية امس مظاهرات عارمة توجت بمشاهد درامية في طرابلس عندما حاول ثلاثة متظاهرين الانتحار بجز رقابهم بالشفرات, احتجاجاً على الحكم الصادر عن محكمة لوكيربي بالسجن مدى الحياة في حق المواطن الليبي عبدالباسط المقراحي. وبالتزامن اعلنت الامم المتحدة انها ستناقش موضوع العقوبات المفروضة على ليبيا في منتصف الشهر الجاري وعمت المظاهرات العديد من المدن الليبية لكن اضخمها كانت في طرابلس العاصمة حيث تجمع الالاف امام مقر الامم المتحدة احتجاجا على الحكم الصادر في حق المقراحي. وجاء في بيان تلاه احد المتظاهرين ان (هذا الحكم اكبر مسخرة في التاريخ, لن ننحني امام ارادة الامريكيين ونطالب بالتعويض لضحايا الهجوم الامريكي ضد شعبنا في ابريل 1986). وفي بث مباشر افاد التلفزيون الليبي ان المتظاهرين سلموا البيان لدبلوماسيين بريطانيين والى السفارة البلجيكية التي تمثل المصالح الامريكية في ليبيا. وهتف المتظاهرون وبينهم طلاب وموظفون وقضاة ومحامون منددين بــ ( الابتزاز والحكم الجائر). وندد المتظاهرون في بيان بالولايات المتحدة وبريطانيا اللتين اختارتا, مباشرة بعد اصدار الحكم (سياسة الابتزاز الرخيص لمطالبتهما بتعويضات) لعائلات ضحايا حادث لوكيربي عام 1988. الذي راح ضحيته 270 راكبا كانوا على متن طائرة امريكية تحطمت فوق بلدة لوكيربي باسكتلندا العام 1988. وطالبت واشنطن ولندن بأن يعترف النظام الليبي بمسئوليته عن الحادث وان يدفع تعويضات لعائلات الضحايا الــ 270 التي تقدر بحوالى 700 مليون دولار, كشرط قبل الرفع النهائي للعقوبات التي فرضتها الامم المتحدة على ليبيا عام 1992. وقال البيان (لن نركع ولن نخضع للسياسة الامريكية ونرفض الابتزاز ونتمسك بمطالبتنا بكل مستحقاتنا عن جريمة العدوان عام 1986) في اشارة الى الغارات الامريكية على طرابلس وبنغازي والتي اسفرت عن مقتل 37 شخصا بما فيهم فتاة تبناها الزعيم الليبي معمر القذافي. وحمل المتظاهرون ومعظمهم من الشبان لافتات كتب عليها عبارات تفيد بان الحكم ليس عادلا وان المقراحي سيعود للوطن كما وعد القذافي ودعت احدى اللافتات القاضي الاسكتلندي الذي اصدر الحكم الى (الانتحار) لان حكمه (عار) وهاجم بيان آخر ما اسماه بــ (سلبية) الخارجية الليبية والمسئولين الليبين الذين أرغمونا على استلام المبادرة والتنادي لهذه المسيرة الغاضبة بسبب عدم قيامهم بواجب التصدي الحازم والقوي لحكم الادانة للمواطن وهو الحكم الذي نعتبره مهزلة للقضاء في العصر الحديث). وكرر المتظاهرون المطالبة برفع العقوبات على الفور ثم تحركوا في وقت لاحق الى السفارة السعودية التي تبعد نحو 100 متر عن مبنى مقر الامم المتحدة ليطلبوا من السعودية الضغط على واشنطن ولندن للاستجابة لمطالبتهم برفع العقوبات. وبلغت المشاهد الدرامية ذروتها عندما قام ثلاثة متظاهرين بجز رقابهم باستخدام شفرات فيما يبدو انه محاولة انتحار احتجاجا على الحكم. وشوهد شاب يسقط على الارض والدم يسيل من رقبته. وحمل الشاب الى داخل عربة اسعاف ونقل بسرعة الى المستشفى. وقال شهود عيان اخرون ان اثنين اخرين من المتظاهرين حزا رقبتيهما بالطريقة نفسها اظهارا للغضب. ونقلت وكالة (رويترز) عن احد المتظاهرين واسمه علي العريف (63 سنة) قوله ان الرجال الثلاثة حزوا رقابهم ليظهروا للعالم ان الدم الليبي يبذل رخيصا في سبيل الدفاع عن البلاد وكرامة الشعب. ولم يصدر اي تعليق من المسئولين على الفور عن حالة الرجال الثلاثة. فيما اظهر التلفزيون الليبي في بث مباشر, بقعات دم خلفها الاشخاص الثلاثة وسيارة اسعاف انطلقت بسرعة يحيط بها رجال الشرطة. وقد اغلقت امس السبت المدارس والمعاهد حتى يتمكن الشباب من المشاركة في التظاهرة. وقال التلفزيون ان التظاهرات عمت العديد من مدن الجماهيرية الليبية. من جانب آخر اعلن رئيس مجلس الامن الدولي ان المجلس سيناقش مسألة العقوبات المفروضة على ليبيا في منتصف فبراير. وكانت ليبيا طالبت برفع العقوبات بعد صدور الحكم في قضية لوكيربي. ودعمت كل من الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الافريقية هذا الطلب. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا ترفضان رفع العقوبات وتطالبان بأن تعترف ليبيا بمسئوليتها وتقدم تعويضات الى اسر الضحايا وتتخلى نهائيا عن الارهاب. واعلن سفير تونس سعيد بن مصطفى الذي يرأس المجلس لشهر فبراير للصحفيين ان اجتماعا تشاوريا حول ليبيا سيعقد (ربما في منتصف فبراير). لكنه اضاف ان دول عدم الانحياز لم تقرر بعد تقديم مشروع قرار لرفع العقوبات نهائيا بعد ان علقت في ابريل 1999 عندما تم تسليم المشتبه فيهما الى القضاء الاسكتلندي. وتابع سفير تونس ان طلبها (محصور في الوقت الراهن بطلب اجراء مشاورات بين اعضاء المجلس). وقال (اما فيما يتعلق بالخطوات العملية, فان المجلس سيتخذ قرارا في وقت لاحق). وكان الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان اكد انه (يعود لمجلس الامن ان يحدد ما اذا كانت ليبيا قد وفت بجميع التزاماتها) وان يقرر ما اذا كانت العقوبات سترفع ام لا قبل دفع التعويضات الى عائلات الضحايا الــ 270. وقال عنان ان ذلك سيتم على ضوء تقرير الحكومة البريطانية حول مدى تعاون السلطات الليبية مع المحكمة. وقال عنان في تصريحات له الليلة قبل الماضية انه (يتعين على المجلس أن يقرر ما اذا كانت ليبيا قد أوفت بالمتطلبات, وقد لاحظتم ان اطرافا عديدة طالبت برفع العقوبات بما فيها منظمة الوحدة الافريقية). طرابلس ــ سعيد فرحات:
