في عالم اعتدنا فيه المتناقضات التي أصبحت من الأمور العادية في حياتنا اليومية قد لا نتعجب عندما نعلم أن مخصصات الإنفاق العالمية في مجال التعليم الأساسي تأتي في مرحلة متدنية من أولويات الإنفاق العالمية، وذلك وفقا للإحصاءات الدولية لحجم و توجهات الصرف العالمي في المجالات المختلفة في الوقت الذي تقدمت على مخصصات الإنفاق التعليمي أرقام غريبة لأوجه أكثر غرابة من الإنفاق في مجالات مغرقة في الرفاهية و لا تشكل إلا حاجات بشرية لا يمكن حتى وصفها (بالكماليات) الضرورية. فقد أظهر آخر تقرير صادر عن صندوق رعاية الطفولة التابع لمنظمة الأمم المتحدة أن حجم الإنفاق العالمي في مجال التعليم الأساسي وفقا لتقرير التنمية البشرية الصادر في عام 1998 لا يتجاوز الستة مليارات دولار سنويا في الوقت الذي احتل فيه المرتبة الأخيرة من بين أوجه الإنفاق الأخرى حيث تقدمت معدلات الإنفاق العالمي على بعض الأنشطة و السلع الترفيهية واحتلت موقعا يدعو للدهشة على القائمة التي أبرزها التقرير. وكما هو معتاد دائما فقد تصدرت مخصصات الإنفاق العسكري العالمية القائمة بنصيب هائل قدره التقرير بنحو 780 مليار دولار سنويا وقد لا يكون هذا الرقم هو مصدر الدهشة الحقيقية ولكن ما يدعو إلى التعجب و الوقوف للحظة للتأمل في الواقع الغريب للبشرية في أيامنا هو ذلك الخلل الرهيب في ميزان الإنفاق العالمي ففي الوقت الذي ينفق فيه العالم 6 مليارات دولار على التعليم الأساسي يأتي إنفاق أوروبا على مشتريات شعبها من (الآيس كريم) سنويا عند معدل 11 مليار دولار أي ما يوازي ضعف الإنفاق العالمي على التعليم تقريبا. في الوقت نفسه أشار تقرير التنمية البشرية الصادر عام 1998 إلى إحصائيات أخرى تعزز الخلل الذي يعاني منه العالم في توجهات الإنفاق التي غلب عليها الترفيه والبذخ فيكفي أن نعلم أن إنفاق كل من القارة الأوروبية والولايات المتحدة على العطور يقدر بنحو 12 مليار دولار سنويا بينما يأتي الإنفاق على تغذية الحيوانات المنزلية المدللة في كل منهما في مرتبة متقدمة بنصيب 17 مليار دولار سنويا. وربما لا يكون الغرب وحده من يعاني من تلك التخمة النقدية التي دفعته إلى هذا الحد من الإنفاق غير المحسوب خاصة و عندما نطالع ما جاء به تقرير التنمية البشرية من تأكيد على وصول حجم الإنفاق على النواحي الترفيهية في اليابان وحدها إلى حوالي 35 مليار دولار في العام الواحد إلا أن الإنفاق الأوروبي على السجائر يعود لاحتلال موقع أكثر تقدما في القائمة بحصة 50 مليار دولار في السنة. ومما يدعو للحسرة الحقيقية أن أكبر الأرقام التي ذكرها التقرير في مجالات الإنفاق العالمي كانت من نصيب الخمور و المخدرات حيث أظهرت الإحصاءات أن العالم ينفق 105 مليارات دولار سنويا على الخمور في الوقت الذي جاوز فيه الإنفاق العالمي على المخدرات حاجز الـ 400 مليار دولار.