تواصلت أمس مفاوضات الحلقة المفرغة بين الفلسطينيين والاسرائيليين, واستمرت الفجوات متسعة حول كافة القضايا الرئيسية خاصة المستوطنات واللاجئين والقدس التي تسعى تل أبيب لتحويل الشطر الشرقي منها إلى جزيرة فلسطينية معزولة ومحاطة بالمستوطنات. وبينما وصلت الإدارة الأمريكية إلى ما يشبه حالة اليأس الكاملة من الوصول لاتفاق قبل رحيل كلينتون أعلنت الغاء جولة دينيس روس المؤجلة. ولم تسفر جولة المفاوضات التي جرت أمس في الأرض المحتلة أو لقاء الرئيس الفلسطيني المغلق مع وزير الخارجية الاسرائيلي شلومو بن عامي في القاهرة أمس عن أي تقدم رغم تصريحات الوزير المتفائلة. وتبلور أمس داخل الحكومة الاسرائيلية ما يبدو انه خلاف حول كيفية التعامل مع العامل الزمني, حيث أكد وزير التعاون الاقليمي شيمون بيريز وجود فرصة للتوصل إلى اتفاق جزئي بحلول اليوم الخميس, في حين يستبعد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك ذلك مفضلا الانتظار. وبالتزامن مع التطورات والتحركات السياسية تواصلت العمليات العدوانية الاسرائيلية من قبل قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين الذين حصلوا من سلطاتهم على صلاحيات أمنية واسعة في الخليل تخولهم ملاحقة الفلسطينيين واعتقالهم, في حين تسعى منظمة صهيونية أخرى في القدس لشراء أسلحة متطورة لشن المزيد من الهجمات ضد المواطنين العرب. جولة المفاوضات الجديدة استؤنفت الليلة الماضية في مكان ما في مناطق السلطة الفلسطينية رغم التصريحات المتشائمة التي أطلقها الجانبان بعد مفاوضات الجولة السابقة في القدس. وكان كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات أكد ان الاسرائيليين لم يحملوا إلى جولة القدس أي ردود ورغم ذلك وصف رئيس المجلس التشريعي أحمد قريع هذه الجولة بالجادة. وخالف وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه تصريحات الوزير الاسرائيلي يوسي ساريد الخاصة بأن الاتفاق قاب قوسين أو أدنى وقال للاذاعة العبرية أمس ان الخلافات مازالت قائمة حول قضايا أساسية تشمل القدس بأكملها وليس الحرم القدسي الشريف وحده. وقال عبد ربه ان الجانب الفلسطيني سبق واكد رفضه لان تكون القدس الفلسطينية جزيرة صغيرة داخل القدس الاسرائيلية وان يصبح حق المرور منها واليها بيد الجانب الاسرائيلي لافتا الى ان المخاوف الفلسطينية تشير الى ان الاسرائيليين يسعون الى وضع خارطة يتحول فيها الفلسطينيون الى جزيرة داخل القدس الغربية. ولاحظ المسئول الفلسطيني ان ما طرحه الجانب الاسرائيلي فى اجتماع القدس لم يتجاوز الافكار ذاتها والنظرة التي كانت موجودة فى السابق مشيرا الى ان الخرائط الاسرائيلية تؤدي الى تقسيم الضفة الغربية من اجل تلبية الحاجة التوسعية لاسرائيل من خلال ضم ما تسميه الكتل الاستيطانية وتستولي على افضل اراضي الضفة الغربية وتؤثر على حياة ووضع مئات الآلاف من الفلسطينيين. واوضح ان قضية عودة اللاجئين لم تتزحزح على الاطلاق وان الموقف الاسرائيلي بشأنها لا يزال كما هو ولذلك نجد من الصعوبة القول اننا نقترب من الاتفاق. واستبعد عبد ربه ان يتم التوصل الى اتفاق قبل الانتخابات الاسرائيلية المقررة فى السادس من فبراير المقبل مشيرا الى استمرار نقاط الخلاف الرئيسية. وهو ما اتفق مع تصريحات جادي بلتيانسكي المتحدث باسم ايهود باراك قال فيها أمس (ما من شك انه في الايام الاخيرة قبل الانتخابات ستكون مفاجأة اذا تمكنا من التوصل الى نوع من الانفراج او الاتفاق مع الفلسطينيين. لكن من المهم ان نترك الباب مفتوحا لنواصل المحاولة ونبني اي جسور ممكنة بيننا وبين الفلسطينيين حتى نتمكن بعد الانتخابات مباشرة ان نحقق مزيدا من التقدم). وفي القاهرة اطلع وزير الخارجية الاسرائيلي شلومو بن عامي الرئيس المصري حسني مبارك على آخر التطورات. وقال بن عامي عقب اجتماعه مع الرئيس المصري (تناولنا كل القضايا.. نحن نحاول مضاعفة جهودنا من اجل تقليل حدة العنف على امل انهائه تماما). وأضاف بن عامي للصحفيين ان المحادثات تناولت القضايا الجوهرية الصعبة في مسعى لابرام اتفاق للسلام وانهاء الازمة بما في ذلك مستقبل القدس. واضاف بعد اللقاء الذي استمر ساعتين بحضور وزير الخارجية المصري عمرو موسى (وجدت في الرئيس مبارك صديقا لعملية السلام يبدي اهتماما شديدا في تحقيق تقدم بيننا وبين الفلسطينيين). وتابع بن عامي ان (لدى مبارك الافكار والارادة الحسنة. وقمنا باستعراض بعض القضايا الاساسية المتعلقة باحتمال حصول اتفاق بيننا وبين الفلسطينيين). واضاف (نجري اتصالات مع الفلسطينيين في الوقت الحالي على مسارين. يتولى وزير السياحة امنون شاحاك وكبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات المسار الامني. ونحاول مضاعفة جهودنا الهادفة الى خفض وتيرة العنف الذي نأمل في القضاء عليه نهائيا). وتابع (في الوقت ذاته, ابقينا المسار السياسي مفتوحا حتى نرى ما اذا كان بامكاننا التحرك وفعل شيء حيال مقترحات الرئيس الامريكي بيل كلينتون). واكد ان اسرائيل (تتطلع الى اتفاق مع الفلسطينيين ونريد ان نقوم بذلك بحسن نية وثقة كلية). وردا على سؤال حول القدس والفلسطينيين, قال (نعم لقد تطرقنا الى هذه المسائل وعرضت وجهة نظرنا امام الرئيس وقام هو بعرض ارائه وملاحظاته. لقد ابدينا تحفظات حيال مقترحات كلينتون وكذلك فعل الفلسطينيون). واوضح وزير الخارجية الاسرائيلي (اعتقد ان بامكاننا النظر في تحفظات الطرفين واذا قمنا بذلك على اساس المقترحات, فاعتقد اننا نواجه فرصة معقولة للخروج بشيء ايجابي). واكد ردا على سؤال حول اهتمام اسرائيل بالشأن الامني اكثر من الشأن السياسي ان (الامور متداخلة ولا يمكن الفصل بين الاثنين, وحتى اثناء مفاوضاتنا مع مصر كان هناك جانب سياسي واخر امني). ورأى ان اي اتفاق للسلام يتضمن (عنصرا امنيا, وبالتالي فان الامر ليس الامن بدلا من السلام بل ان الامرين متداخلان). وهل من افكار جديدة عرضها على مبارك, قال (ناقشنا بعض الافكار حول المقترحات. انها ليست افكارا جديدة وانما مجرد اراء). على صعيد اخر, برر بن عامي هجمات المستوطنين على فلسطينيين بأنهم كانوا تحت (ضغوط هائلة في الاشهر الاخيرة بسبب الانتفاضة). واوضح في هذا الصدد (سنبذل كل ما هو ضروري لكي يتم التقيد بالقانون. لقد كان ذلك نوعا من رد الفعل على اغتيال احد الاسرائيليين). ودعا الى الفصل بين الطرفين بشكل ودي وبموجب اتفاق, اذ (يجب التغلب على صعوبة ان يعيش الفلسطينيون والاسرائيليون جنبا الى جنب). وتابع (يتعين علينا التفتيش عن حلول للتوصل الى فك ارتباط سياسي وقبول المبدأ الذي يحكم عملية السلام والقائل بأن الكيانين موافقان على حدود آمنة معترف بها وفك الارتباط السكاني مما سيؤدي الى منع الاحتكاكات). وبدوره, قال موسى انه (يجب ان لا نلقي بعملية السلام من النافذة بل يجب ان تؤدي الى اطار سليم). واضاف ان (اهم ما اتى به شلومو بن عامي هو انه حضر ليناقش معنا وبشكل جدي النقاط التي يعلم ان هناك اعتراضات عربية عليها). وتابع موسى (دخلنا في نقاشات جدية للغاية في هذا الشأن) مؤكدا عدم (وجود معطيات جديدة). واكد ان (الموضوع هو اكثر تعقيدا من ذلك). وختم موسى قائلا ان من (يريد العيش في المنطقة لابد ان يقوم بنقلة نوعية). من جهة أخرى قالت مصادر فلسطينية واسرائيلية ان الرئيس الفلسطيني أجرى اجتماعا رتب على عجل مع وزير الخارجية الاسرائيلي في القاهرة أمس. وقال السفير الفلسطيني لدى جامعة الدول العربية محمد صبيح ان عرفات التقى بن عامي في مكان ما في القاهرة مساء أمس. وأضاف صبيح ان (اللقاء تم في مكان سري بعيدا عن وسائل الاعلام). وكان وزير الخارجية المصري عمرو موسى اعلن ان مبارك سيستقبل عرفات (صباح اليوم الخميس على الارجح). وأيد باراك ووزير خارجيته شلومو بن عامي استمرار المفاوضات بعد انتهاء ولاية بيل كلينتون لتجنب على ما يبدو نشوء فراغ يهدد بالتصعيد. وقالت مصادر اسرائيلية ان باراك يفضل استمرار المفاوضات ببطء إلى حين التوصل إلى اتفاق شامل. وهو ما فجر الخلاف الحاد بينه وبين شيمون بيريز خلال اجتماع المجلس الوزاري الاسرائيلي للسلام الليلة قبل الماضية حيث ضغط الأخير للتوصل إلى اتفاق جزئي بحلول اليوم الخميس. وفي الجلسة أكد بيريز انه إذا التقى مع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات فإنه يستطيع أن يتوصل إلى اتفاق جزئي مع الفلسطينيين بحلول اليوم. ويشمل الاتفاق كل النقاط المتفق عليها ويحدد مسارا للمفاوضات حول باقي القضايا المختلف عليها. وهو ما أيده الوزير الاسرائيلي يوسي بيلين. لكن باراك رفض التوقيع على أية ورقة في هذه المرحلة. وحسب رأيه فإن فرصة التوصل إلى اتفاق ما مع الفلسطينيين حتى الانتخابات في اسرائيل هي فرصة ضعيفة, وأيد استمرار المفاوضات مع الفلسطينيين بصورة تدريجية مع التأكيد على تخفيض مستوى العنف. وهاجم أعضاء في المجلس باراك على ما وصفوه (بتردده في اتخاذ القرارات بسبب اعتبارات انتخابية). ومقابل ذلك قالت مصادر مقربة من باراك ان ثمة في مجلس السلام من يفكر انه يجب التوقيع على كل شيء, حتى على علبة كبريت. وبموازاة زيارة بن عامي للقاهرة ذكرت مصادر ان المفاوض الفلسطيني محمد دحلان زار العاصمة المصرية أيضا. وفي اشارة إلى تخلي إدارة كلينتون تماما عن جهود الوساطة أعلن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر أمس ان منسق السلام دينيس روس ألغى زيارته المرتقبة للشرق الأوسط. وقال باوتشر (لا يوجد متسع من الوقت) قبل نهاية ولاية كلينتون الذي سيترك الرئاسة للجمهوري جورج بوش الابن بعد غد السبت. ورغم الغموض السياسي الحالي الا ان مخططات الاحتلال الاسرائيلي العدوانية ماضية بمواصلة قصف مناطق في قطاع غزة واعدام المستوطنين شابا فلسطينيا بعد ان اعتقلوه بمساعدة جيش الاحتلال تبين لاحقا انه ينتمي لحركة حماس. وفي هذا الاطار كشفت (حركة السلام) الاسرائيلية أمس ان منظمة ارهابية من المستوطنين في شمال القدس بدأت حملة لجمع التبرعات من أجل شراء بنادق قناصة مع فوهات تلسكوبية وأجهزة رؤية ليلية بهدف شن اعتداءات دموية ضد الفلسطينيين.