تراجعت أمس فرص التوصل لاتفاق تسوية نهائي خلال الفترة المتبقية من ولاية الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في 20 يناير الجاري وبدت أفكار كلينتون للتسوية تترنح مع ظهور مؤشرات، قوية من الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي على تضاؤل الفرص خاصة بعد تسليم اسرائيل للإدارة الأمريكية شروطها وردودها على أفكار وخطة كلينتون للمضي قدما فيها, وعزز ذلك تجديد رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك على رفض عودة اللاجئين الفلسطينيين والتمسك بالسيادة الاسرائيلية على الحرم القدسي الشريف الذي حدد حاخامات اسرائيل أربعة مواقع داخل أسواره لبناء كنيس يهودي. وأمام هذا الموقف ذكرت تقارير اسرائيلية ان كلينتون يسعى حاليا للتوصل إلى اعلان مبادئ أو اعلان رئاسي يحدد جدولا زمنيا للمفاوضات على أساس مبادرته التي رد عليها الشارع الفلسطيني أمس بمظاهرات عارمة استشهد خلالها فلسطينيان وجرح 15 آخرون وأحرقت فيها صور كلينتون. وقال جيلعاد شير مبعوث باراك الذي اجتمع مع مسئولين أمريكيين في واشنطن أمس انه لا يتوقع أن يتمكن كلينتون من كسر الجمود في الفترة المتبقية من رئاسته. وأضاف شير في حديثه لاذاعة اسرائيل (لابد وأن أقول انني لا أتوقع وجود فرصة كبيرة لذلك) واستطرد (لا أتوقع حدوث تقدم كبير في عملية الدبلوماسية في المستقبل القريب أي خلال الأسابيع المقبلة). وأوضح مسئول اسرائيلي ان شير سيسلم كلينتون وثيقة تقع في ست صفحات تتضمن تحفظا واحدا وان اسرائيل ستقبل معايير واشنطن كأساس طيب للتحرك للأمام إذا قبل به الفلسطينيون. كما ظهرت مؤشرات التشاؤم في تصريحات سابقة لباراك الذي قال في افتتاح مقر انتخابي جديد لحزبه (العمل) الليلة قبل الماضية ان التوصل لاتفاق مع الفلسطينيين قبل انتهاء ولاية كلينتون في العشرين من الشهر الحالي (أمر بعيد الاحتمال). وركب موجة المزايدات الانتخابية بقوله (لن نقبل تحت أي ظرف حق عودة (اللاجئين الفلسطينيين) إلى اسرائيل) مضيفا (ولن نتخلى عن جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) بأي ثمن كان). وقد بدأت لجنة تابعة لمجلس الحاخامات الرئيسي في اسرائيل مناقشات مكثفة لاختيار الموقع الذي سيقام عليه الكنيس اليهودي المقترح داخل أسوار الحرم القدسي الشريف. وحددت اللجنة أربعة مواقع للكنيس الذي من شأن اقامته تفجير المنطقة وهي: موقع باب الرحمة, مبنى الحكمة, مدرسة العمرية في الزاوية الجنوبية الشرقية أو في منطقة المصلى المرواني. ونقلت صحيفة (يديعوت احرونوت) عنه اقتراحه على الأمريكيين اعادة اطلاق المفاوضات مع الفلسطينيين بعد تسلم جورج بوش الابن الرئاسة وبعد الانتخابات الاسرائيلية المقررة في فبراير المقبل. كما انعكس التشاؤم أيضا في تصريحات المفاوضين الفلسطينيين الذين أكدوا ان الخلافات بين الجانبين بالغة التعقيد بدرجة يتعذر معها حلها في الوقت القصير المتبقي من ولاية كلينتون. وصرح المفاوض نبيل شعث لرويترز (بالتأكيد لا يمكن التفاؤل لدرجة ان يتم التوصل إلى اتفاق, هذا يحتاج إلى تفصيلات كثيرة وجهود عظيمة). وأضاف شعث (هناك حاجة إلى هذا التقدم لكي لا تكون الإدارة الأمريكية الجديدة قد ورثت وضعا سياسيا مدمرا ومتفجرا). وقال مسئول فلسطيني كبير امس الأول ان عرفات ترك بعد محادثاته مع كلينتون في البيت الابيض يوم الثلاثاء الماضي قائمة تضم 15 تحفظا على مقترحات السلام التي طرحتها واشنطن. وسعى شعث الى تهدئة مخاوف منظمات فلسطينية حثت عرفات على رفض مقترحات السلام الامريكية وعدم تقديم أي تنازلات جديدة. وأكد (نتمنى ان نلتقي بهم لنشرح لهم ان مخاوفهم لم تعد قائمة. نحن لن نقبل بأي وضع قد يؤدي الى مثل هذه المخاوف). وقال شعث ان أي تغيير في القيادة الاسرائيلية غير مهم. مضيفا (نحن لا نبني مواقفنا بناء على تحليلات لشخصيات القادة سواء كان شارون أو باراك .. بوش ام كلينتون). وأكد (نحن لدينا مطالب عادلة قد دفع شعبنا الاف التضحيات للحصول عليها). وقال ياسر عبد ربه وزير الاعلام الفلسطيني ان الفلسطينيين لن يوفدوا ممثلا إلى واشنطن لاجراء مزيد من المحادثات إلى أن توافق اسرائيل على استئناف المفاوضات استنادا إلى وجهة نظر الفلسطينيين من خطة كلينتون). وأضاف (لا يوجد قبول غير مشروط لمقترحات كلينتون) ان الفلسطينيين مستعدون لبحث هذه الايضاحات على مائدة المفاوضات. وأبدى فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية عدم تفاؤله أيضا وقال ان اسرائيل ظلت تماطل منذ سبع سنوات وهم يفسرون الأمور حاليا بأنها ضعف عند العرب رغم اننا أكدنا ان السلام هو خيارنا الاستراتيجي لذلك فلسنا متفائلين في التوصل إلى انجاز اتفاق خلال هذه المرحلة. في غضون ذلك نقلت صحيفة (هآرتس) العبرية أمس عن أوساط اسرائيلية رسمية ان إدارة كلينتون بعد تضاؤل فرص الاتفاق ستركز جهودها على التوصل إلى (اتفاق ناقص) يكون أقل الزاما وعلى شكل اعلان مبادئ أو اعلان رئاسي من كلينتون أو حتى ترتيبات متفق عليها للمفاوضات المستقبلية مع جدول زمني لها. أضافت الصحيفة وحسب الخطة الأمريكية ستجتمع في القاهرة غدا الأحد (الهيئة الأمنية) بمشاركة رئيس الـ (سي. آي. ايه) جورج تينت ورئيس المخابرات المصرية عمر سليمان والوزير الاسرائيلي امنون شاحاك ورئيس جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني في غزة محمد دحلان. وقالت انه (في اللقاء سيحاول تينت وسليمان اقناع الفلسطينيين بالموافقة على استئناف التنسيق الأمني مع اسرائيل, وإذا سجل بالمقابل انخفاض في العنف سيحاول الأمريكيون دعوة وزير الخارجية الاسرائيلي شلومو بن عامي ومفاوضين فلسطينيين كبار إلى واشنطن الاثنين المقبل). أما فيما يخص موقف الشارع الفلسطيني من صيغة كلينتون فقد خرج الآلاف أمس في مظاهرات عارمة عمت الضفة الغربية وقطاع غزة للتنديد بهذه الصيغة ما أدى لاستشهاد فلسطينيين واصابة 15 آخرين برصاص الاحتلال. وذكرت مصادر فلسطينية ان جنود الاحتلال قتلوا بالرصاص في قطاع غزة محمد أبو حصيرة (37 عاما) عندما حاول العبور إلى اسرائيل قرب موقع للجيش الاسرائيلي. كما استشهدت فتاة فلسطينية في التاسعة عشرة من عمرها في مدينة الخليل المقسمة بالضفة الغربية. وذكرت مصادر طبية ان القوات الاسرائيلية أطلقت النار على اريج الجبلي فأصابتها في قلبها وقالوا ان فتاة فلسطينية أخرى في الثامنة عشرة أصيبت بالرصاص في صدرها. وقال شهود فلسطينيون ان الفتاتين كانتا في منزلهما وقت اطلاق النار. واضافوا ان أطفالا كانوا يلعبون بألعاب نارية عندما فتحت القوات الاسرائيلية النار على المنزل. وأصيبت شابتان فلسطينيتان بجروح خطرة أمس برصاص جنود احتلال متمركزين في مستوطنة بيت هاجاي جنوب الخليل. وأصيبت الشقيقتان البالغتان من العمر 18 و22 عاما برصاصات في الصدر في حين كانتا في منزلهما ونقلتا إلى مستشفى علي في الخليل. وزعم متحدث عسكري ان الجنود كانوا يردون على هجوم مسلح استهدف موقعهم. وأعلنت الشرطة الفلسطينية ان العيارات النارية أطلقت في الهواء ولمناسبة الاحتفال بأحد الأعياد وانها لم تكن تستهدف الجنود الاسرائيليين. ووقعت مواجهات بعد تظاهرة ضمت ثلاثة الاف شخص ساروا في رام الله واحرقوا العلم الاسرائيلي وهم يرددون (دم الشهداء لا يباع) و (حق العودة مقدس). ودعت مجموعة من المتظاهرين تنتمي الى حركة الجهاد الاسلامي الفلسطينيين الى اتباع مثال يحيى عياش الذي كان وراء العديد من الهجمات المناوئة لاسرائيل. وفي طولكرم تظاهر نحو الفي فلسطيني في الشوارع واطلق بعضهم رشقات من اسلحة الية في الهواء. وفي نابلس, تظاهر نحو الف فلسطيني معظمهم من منظمات معارضة لعرفات, ودعوا السلطة الفلسطينية الى عدم معاودة الحوار مع اسرائيل على اساس مقترحات كلينتون. واحرق متظاهرون في نابلس صورا لكلينتون ولباراك. وفي الخليل, رشق عشرات من المتظاهرين الحجارة في اتجاه الجنود الاسرائيليين الذين ردوا باطلاق الرصاص المغلف بالمطاط. ودعا ائتلاف من 13 تنظيما فلسطينيا أمس في بيان الى تظاهرات واسعة الاثنين في الضفة الغربية وقطاع غزة تأييدا لحق حوالي 3,7 ملايين لاجىء فلسطيني في العودة الى بلادهم.
