كتب المحرر السياسي: الأزمة السياسية الاسرائيلية الأخيرة وليد طبيعي للعقلية العسكرية التي تحكم الكيان الاسرائيلي. فالأزمة تؤكد التوجه الانقلابي لدى العسكر الذين تستهويهم السلطة أو يجدون أنفسهم، يخوضون غمار السياسة. ربما يتفوق الجنرال باراك على زملائه ــ بغض النظر عن العرق والدين ــ في الغباء والانتهازية. استقالة باراك ليست أكثر من انقلاب على لعبة الديمقراطية الممارسة على الطريقة الاسرائيلية. لكن قبل ذلك يجب التشديد على ان المأزق الذي انتهى إليه باراك ناجم عن غباء مستحكم, فمثل كل الجنرالات الطغاة اعتقد باراك خاطئا ان القوة والعنف كفيلان بمعالجة الأزمة السياسية التي فرضها أوان استحقاقات الاتفاقات مع السلطة الفلسطينية. وعود الأمن والسلام كانت الجسور التي حملت باراك إلى السلطة غير انه مثل كل الجنرالات الطغاة تنكر لعهوده فأخفق في منح شعبه الأمن والسلام مثلما فشل في رؤية مخرج سليم لاختناق استحقاقات السلام. الاستقالة لم تكن خيارا أمام باراك للخروج من الازمة الاسرائيلية بل جاءت افرازا طبيعيا لتراكم هبة الأقصى. فقد دفعت سياسة العنف الجنرال الاسرائيلي نفسه باتجاه الهاوية. قبيل بلوغ الحافة لجأ الجنرال الاسرائيلي إلى مغامرة تتسم بالعنف السياسي ضد (النظام الديمقراطي) في محاولة بائسة لانقاذ نفسه. فالاستقالة التي تفرض انتخابات قسرية تمثل ضربا من العنف السياسي. الانتهازية العسكرية الاسرائيلية تتمثل في تحالف شاذ بين جنرالين, احدهما يمسك بالسلطة كمن يقبض على الجمر والآخر يطمع إليها. فحين يلتف رئيس حكومة على قواعد اللعبة الديمقراطية يجد زعيم المعارضة ــ في أي بلد ــ فرصة للضرب على رئيس الحكومة في محاولة للاجهاز عليه سياسيا مستثمرا ذلك في اطار الحملة الانتخابية والمنافسة. في اسرائيل تحالف الجنرال باراك مع الجنرال ارييل شارون بعقلية عسكرية واحدة تؤمن بالعنف ضد الفلسطينيين وتخشى سياسيا يمثل عدوا داخليا مشتركا هو بنيامين نتانياهو الذي عادت أسهمه ترتفع على حساب الجنرالين الفاشلين. ثمة بصيص أمل في ان يقطع نواب الكنيست الطريق أمام انقلاب الجنرالين بفتح الطريق أمام نتانياهو لولوج حلبة المنافسة على رئاسة الوزراء. تلك ليست هي المسألة عربيا. من المهم أن يدرك الفلسطينيون ضرورة ابقاء جذوة انتفاضة الأقصى مشتعلة في سبيل ابقاء التمزق الاسرائيلي الداخلي على حافة الهاوية بغض النظر عن هوية رئيس الوزراء الجديد. تجربتا الانتفاضتين تؤكدان خطأ التعويل على الخلافات الاسرائيلية والرهان على كتلتي العمل أو الليكود أو تفضيل سياسي على عسكري. دروس الانتفاضتين تثبت عدم جدوى انتظار سلام بشروط اسرائيلية. انقلاب الجنرالين الاسرائيليين الشاذ بتحالفهما النادر يفضح عجز العقلية التي تدير ماكينة العنف على الطرف الآخر ومن الأفضل للشعب الفلسطيني ابقاء هبة الأقصى مشتعلة لاجبار جنرالات الاحتلال لاخلاء الأرض الفلسطينية والتسليم باستحقاقات السلام كما فعلوا مجبرين في الجنوب اللبناني.