تسارعت الضغوط الامريكية والاتصالات السرية لمحاولة احتواء الانتفاضة الباسلة حيث تمخضت عن دعوة الرئيس الامريكي بيل كلينتون كلا من الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك لقمة جديدة في واشنطن مطلع الشهر المقبل, وسط استمرار العدوان الصهيوني المتمثل باستمرار قصف الدبابات للمناطق السكنية الفلسطينية, اسفر احد هذه الاعتداءات عن معركة مسلحة في طولكرم بين قوات الـ 17 الخاصة بحراسة عرفات وجنود الاحتلال ما دفع السلطة الفلسطينية لتجديد المطالبة بالحماية الدولية. وتسببت حركة الاتصالات الامنية بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي لتنفيذ بنود اتفاق شرم الشيخ في هدوء نسبي في فلسطين صباح أمس لكن المواجهات سرعان ما تفجرت بعد الظهر في كافة مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. وكان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات استقبل الليلة قبل الماضية في غزة سراً يوسي جينوسار مبعوث باراك لساعتين في لقاء مغلق لم يرشح عنه شيء قبل أن ينضم إليهما مسئول الامن الوقائي الفلسطيني في غزة محمد دحلان. واكد مسئول فلسطيني بدء اجتماع بين مسئولين من جهاز الامن الفلسطيني والجيش الاسرائيلي في قطاع غزة حول سبل الحد من التوتر في الاراضي الفلسطينية. غير أن محمد دحلان مسئول جهاز الامن الوقائي في قطاع غزة قال ان اللقاء يهدف لتنفيذ ماورد في بيان قمة شرم الشيخ وليس من اجل التنسيق الامني. واضاف دحلان (اما (ما تدعيه) اسرائيل بشأن التنسيق الامني واجتماعات امنية نحن قلنا منذ البداية ان الطائرات الاسرائيلية والعدوان الاسرائيلي قتلا هذا التنسيق الامني, (كما قتله رئيس وزرائها ايهود) باراك اخيرا حين اعلن عن وقف عملية السلام). وذكر (يجب على (باراك) ان يفهم ان وقف عملية السلام يعني بشكل تلقائي وقف التنسيق الامني). وأشار دحلان الى ان (ما حصل من عدوان على الشعب الفلسطيني كبير وعلى اسرائيل ان تتحمل نتائجه لا ان توقف المفاوضات وتبحث عن افاق للتعاون الامني وهذا لن يحدث). واضاف دحلان (ان هناك محاولات امريكية لاعادة الامور الى ما كانت علية في السابق ولكن اسرائيل مازالت حسب معرفتنا لم تستكمل مخططها العدواني الكامل على الشعب الفلسطيني). وقال مصدر فلسطيني ان الوفد الفلسطيني برئاسة اللواء عبد الرزاق المجايدة مسئول الامن الوطني في قطاع غزة, والاسرائيلي رئيس القيادة الجنوبية للقوات الاسرائيلية الجنرال يوم توف ساميا. وكان الجيش الاسرائيلي اعلن صباحا ان الجنرال ساميا والجنرال اسحق ايتان قائد المنطقة الوسطى التي تشمل الضفة الغربية سيلتقيان كل على حدة نظراءهم في اجهزة الامن الفلسطينية. ولم يؤكد انعقاد اجتماع ثان بعد. وافاد مسئول امني فلسطيني ان هذه اللقاءات تشمل بشكل خاص (انسحاب الوجود العسكري والمدرعات المنتشرة على مداخل المدن الفلسطينية). وفي الاطار ذاته ابدى الجيش الاسرائيلي استعداده لسحب قواته من محيط المدن الفلسطينية اذا ما تراجعت اعمال العنف بشكل ملموس في الايام المقبلة. وقال الجنرال جيورا ايلند, رئيس العمليات في اركان الجيش الاسرائيلي في مؤتمر صحفي (اذا ما حصل تغيير حقيقي, فهذا ما سيسمح لنا بسحب قواتنا). ولكنه اضاف انه لا يتوقع وقف اعمال العنف على الفور في الضفة الغربية وقطاع غزة مدعيا ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات غير ملتزم بالسلام. وحذر قائلا (ان الوضع خطير جدا. وان لم تطرأ تغييرات ايجابية, فسيتطور الوضع نحو الاسوأ). وسارع امين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير محمود عباس (ابو مازن) الى نفي أي اتصال مع يوسي بيلين وزير العدل الاسرائيلي وجدد المطالبة بحماية دولية للفلسطينيين. وعلى جبهة دبلوماسية اخرى اجرى الرئيس الامريكي بيل كلينتون الليلة قبل الماضية وفجر امس اتصالين هاتفيين مع عرفات وباراك اقترح خلالهما دعوتهما الى لقاءات منفصلة معه في واشنطن لتهدئة الاوضاع. وقال مسئول فلسطيني طالباً عدم كشف اسمه انه يفترض ان يلتقي عرفات وكلينتون مطلع نوفمبر المقبل في البيت الابيض. واكد كلينتون ان عرفات في وضع يمكنه من الحد (بشكل كبير) من اعمال العنف في الاراضي الفلسطينية. وصرح كلينتون خلال مؤتمر صحفي في واشنطن ان (عرفات بوسعه ان يخفف بشكل كبير من حدة العنف). واشار الى انه تحادث هاتفيا مع الاخير, مضيفا (سنعرف خلال الايام المقبلة ما اذا كان الجانبان سيستأنفان) المفاوضات بينهما. وقال كلينتون انه لا يحمل عرفات فقط او الفلسطينيين مسئولية العنف بل انه يعتقد أن هناك اطرافا في الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي معا يتحملان هذه المسئولية. لكن كبير المفاوضين صائب عريقات عاد لتأكيد ان اسرائيل اعدت خطة (حقل الاشواك) لاعادة احتلال مناطق السلطة نافيا وجود أي انفراج سياسي للازمة. من جهتها حذرت حركة حماس عرفات من الذهاب الى واشنطن لاجراء محادثات مع باراك وقالت في بيان صدر في بيروت (اننا نحذر رئيس السلطة من الذهاب لهذا الاجتماع الذي يعتبره شعبنا مؤامرة جديدة تهدف الى احباط انتفاضة الاقصى. وأضاف البيان (ونؤكد ان شعبنا الذي قدم اكثر من 140 شهيدا واكثر من خمسة الاف جريح لن يقبل بأى شكل من الاشكال أن يكون ثمن هذه الدماء هو عودة رئيس السلطة الى طاولة المفاوضات او تحسين شروطه التفاوضية). واكدت حماس مجددا ان (الجهاد والمقاومة وتصعيد الانتفاضة المباركة والمواجهة الشعبية الشاملة مع العدو الصهيوني هو الطريق الوحيد للدفاع عن الاقصى والمقدسات وانتزاع حقوق شعبنا ودحر الاحتلال). من جهته حدد رئيس المجلس التشريعى الفلسطينى احمد قريع اربعة شروط لاستئناف المفاوضات مع الاسرائيليين وهى انسحاب القوات الاسرائيلية من حول المدن والقرى والعودة الى الوضع القائم قبل الانتفاضة فى 28 من الشهر الماضى وتشكيل لجنة تحقيق دولية تبدأ اعمالها فورا ودفع تعويضات عن الخسائر وايجاد صيغة جديدة تضمن تحقيق العملية التفاوضية اهدافها. وقال قريع ان الصيغة الحالية لا تضمن التوصل الى حل نهائى لان اسرائيل تحاول فرض شروطها بالقوة. وجدد قريع مطالبة الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي وكافة اطراف المجتمع الدولي بالتحرك العاجل لتأمين الحماية الدولية للفلسطينيين في وجه العدوان. لكن مروان البرغوثي امين سر حركة فتح اعلن رفضه وقف المواجهات لاتاحة الفرصة للمفاوضات. وقال في تصريحات لصحيفة (لوموند) الفرنسية تنشرها اليوم (لا شيء لدي ضد المفاوضات, بل على العكس. ولكن يجب الان تغيير قواعد اللعبة واولها انه يتعين على الاسرائيليين ان يقبلوا التفاوض خلال المواجهات). وتابع ان (وضع حد للاحتلال هو السبب الحقيقي للانتفاضة الحالية التي ستستمر طالما استمر الاحتلال ولن يتخلى الاسرائيليون عن شيء من دون ان يكونوا مرغمين على ذلك بواسطة القوة). وعلى الارض تحول الهدوء النسبي الصباحي أمس الى انفجار جديد للمواجهات على كافة الجبهات الفلسطينية, كان ابرز هذه المواجهات قصف الدبابات الاسرائيلية لمناطق سكنية في سلفيت ومبنى لقوات الــ 17 المكلفة حماية الرئيس الفلسطيني في مدينة قلقيلية. وتسبب قصف مماثل لدبابات الاحتلال لمقر آخر لهذه القوات في منطقة الحاووز بطولكرم لاندلاع معركة مسلحة بين افراد هذه القوات وجيش الاحتلال الذي استخدم الرشاشات من عيار 500 ملم. كما شهدت مناطق نابلس وبيت لحم ورام الله والبيرة والخليل مواجهات عنيفة بين الفلسطينيين وجنود الاحتلال وقطعان المستوطنين اسفرت عن عشرات الاصابات بالرصاص الحي. واضافت المعلومات ان جيش الاحتلال الاسرائيلي يواصل عمليات الفصل بوضع كتل اسمنتية على مداخل المدن الفلسطينية وتعزيز المواقع العسكرية في أراضي (أ) للسلطة الفلسطينية وصفها المراقبون بأنها (اعادة احتلال) للاراضي الفلسطينية. وفي قطاع غزة الذي عمته المواجهات, أكد العميد الفلسطيني اسامة العلي قيام الدبابات الاسرائيلية باعادة احتلال مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية في هذا القطاع وتحديداً على شارع صلاح الدين الرئيسي الذي يفصل شمال القطاع عن جنوبه. القدس ــ عبدالرحيم الريماوي: