اختتم الزعماء العرب امس اعمال قمتهم الطارئة باصدار بيان شديد اللهجة وتدابير معتدلة لم تشف غليل الشارع العربي وان تجاوزت حدة شجبهم (اللفظي) لاسرائيل ومستوى تضامنهم العملي مع الفلسطينيين السقف المعتاد الذي كان دارجاً. ولم يشفع للقادة العرب لدى الشارع السياسي اتخاذهم قرارات غير مسبوقة من نوع انشاء صندوقين لدعم الفلسطينيين, والمطالبة بالحماية الدولية لهم وانشاء محكمة لمجرمي الحرب الاسرائيليين وعدم المشاركة في اي محادثات متعددة الاطراف أو مشروعات اقتصادية اقليمية مع اسرائيل, وكانت المفارقة واضحة بين خطب السبت وقرارات القمة. واعتبر وزير الخارجية المصري عمرو موسى ان محصلة القمة (رسالة غضب) لاسرائيل التي عبرت عن ارتياحها على الفور ثم عادت لتدين (لغة التهديد) في بيان القمة في خطوة اقترنت بامتداحها الحار للرئيس المصري حسني مبارك على (جهوده الكبيرة للابقاء على نهج متوازن). وبدا البون شاسعاً بين التقييم الرسمي الذي انعكس في اشادات هنا وهناك وبين رد الفعل الشعبي الذي ترجمته تظاهرات رافضة للقرارات في الاراضي المحتلة والقاهرة نفسها غطى هديرها على اصداء القرار التونسي بقطع العلاقات مع اسرائيل , في اول خطوة عملية تلت القمة. وكان اكثر ما اثار انتباه المراقبين وغضب المنتقدين ان القمة تجنبت اتخاذ إجراء عملي قوي ضد إسرائيل حيث ابتعد بيانها الختامي عن مطالبة الدول العربية صراحة بقطع علاقاتها مع الدولة العبرية. وألزم القادة العرب, بدلا من ذلك, أنفسهم بوقف إقامة أي علاقات جديدة مع إسرائيل, (والوقوف في وجه أي محاولات إسرائيلية للتغلغل داخل العالم العربي تحت أي مسمى). وتم إسقاط فقرة من البيان الختامي الذي صدر عن القمة كانت تدعو إلى قطع كافة العلاقات التي أقيمت مع إسرائيل, وذلك بعد مناقشات مطولة في الساعات الاخيرة التي سبقت اصدار البيان الختامي. وكانت هذه الفقرة تدعو جميع الدول العربية إلى قطع العلاقات التي أقامتها مع إسرائيل منذ بدء مؤتمر سلام الشرق الاوسط في مدريد عام 1991. وقد عارضت مصر والاردن الفقرة الداعية إلى قطع علاقاتهما مع إسرائيل لانهما الدولتان اللتان وقعتا اتفاق سلام مع الدولة اليهودية في عامي 1979 و1994 على الترتيب. وقال مراقبون ان القادة العرب تجنبوا توجيه دعوة مباشرة بقطع العلاقات لان مثل هذه الخطوة من شأنها أن تغضب الولايات المتحدة. وقال البيان الختامي الذي صيغ بعناية ولم يخل من الغموض والذي تلاه أمين عام جامعة الدول العربية عصمت عبد المجيد ان العرب قد ينظرون في قطع العلاقات مع إسرائيل ولكنهم لم يدعوا إلى عمل ذلك. وفي المقابل طالب البيان بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب الاسرائيليين وهو المطلب الذي رفضته بريطانيا على الفور في اول رد فعل دولي على قرارات القمة. وطلبت القمة من الامم المتحدة تأمين حماية للشعب الفلسطيني عبر انشاء قوة دولية. وطالب القادة كذلك (بتشكيل لجنة تحقيق دولية محايدة في اطار الامم المتحدة ترفع تقريرها الى مجلس الامن ولجنة حقوق الانسان حول مسببات ومسئولية التدهور الخطير في الاراضي الفلسطينية المحتلة والمجازر التي ارتكبتها قوات الاحتلال الاسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني واللبناني وسائر المواطنين العرب في الاراضي المحتلة). وطالبت القمة بانضمام اسرائيل الى معاهدة منع الانتشار النووي واخضاع منشآتها النووية للرقابة الدولية معتبرة هذا الهدف شرطا لارساء اي ترتيبات للامن الاقليمي في المنطقة مستقبلا. وفي اقوى موقف (لفظي) تبنت القمة قرارا يدين اسرائيل التي (حولت عملية السلام الى عملية حرب ضد الشعب الفلسطيني مستخدمة القوة العسكرية لحصاره وعزله وجعله رهينة داخل الضفة الغربية وقطاع غزة). وحمل القادة العرب (اسرائيل مسئولية اعادة المنطقة الى اجواء التوتر ومظاهر العنف نتيجة ممارساتها واعتداءاتها وحصارها لابناء الشعب الفلسطيني خرقا لالتزاماتها بموجب اتفاقية جنيف الرابعة للعام 1949 بصفتها قوة احتلال فضلا عما يمثله ذلك من انتهاك فاضح لقواعد القانون الدولي وتدمير لجهود بناء السلام في المنطقة). اما اقوى القرارات العملية فتمثل في الاستجابة لاقتراح من المملكة العربية السعودية بانشاء صندوقين هما صندوق القدس بقيمة 800 مليون دولار لتمويل مشاريع تحافظ على الهوية العربية للقدس والحيلولة دون طمسها ولمساعدة سكانها الفلسطينيين على وقف ارتباطهم بالاقتصاد الاسرائيلي, وصندوق انتفاضة القدس بقيمة 200 مليون دولار يخصص للانفاق على اسر الشهداء وتأمين سبل رعاية وتعليم ابنائهم). واضاف البيان ان الملوك والرؤساء العرب يشكرون المملكة على ربع المبالغ المخصصة لهذين الصندوقين). كذلك دعت القمة (ابناء الامة العربية الى التبرع بأجر يوم واحد من رواتبهم كمساهمة شعبية عربية لدعم الانتفاضة ومساندة النضال الوطني الفلسطيني في هذه المرحلة الحرجة التي تواجهها الامة العربية). لكن حتى هذا القرار لم يسعد الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الذي بدا مستاء من عدم الحصول على دعم عاجل, يسبق اجتماع وزراء المالية المقرر الاسبوع المقبل لبحث آلية انشاء الصندوقين. وحرص القادة العرب في البيان الختامي على الاشادة بقوة بتجاوب الجماهير العربية مع انتفاضة الشعب الفلسطيني في اشارة الى التظاهرات الشعبية العارمة التي عمت كافة الدول العربية للتنديد بأعمال العنف الاسرائيلية ضد الفلسطينيين. لكن هذه الجماهير عبرت عن عدم رضاها بالقرارات التي اعتبرت دون الطموحات. وتظاهر آلاف الطلاب في الجامعات المصرية للتعبير عن خيبة الامل وهي تهتف (الجيش العربي وين!), اما في الاراضي الفلسطينية فإن القوى الشعبية لم تتوان عن شجب القرارات التي وصفتها بـ (الهزيلة) وفضلا عن منظمات (حماس), (الجهاد) والجبهتين (الشعبية) و(الديمقراطية) التي وصفت القرارات بأنها عديمة القيمة. ووصف امين سر حركة فتح في الضفة الغربية مروان البرغوثي القرارات بأنها جاءت (مخيبة لآمال الفلسطينيين). وقال (لقد خيبت القمة آمال الشعب الفلسطيني وكان المفروض ان تتخذ قرارات اكثر عملية وليس لفظية). واضاف (هناك بعض القرارات الايجابية لكن الخطوات كانت غير كافية ودون المستوى المطلوب). واعتبر رسميون فلسطينيون وآخرون مستقلون ان القمة العربية لم ترق الى المطامح المنشودة ولكن مسئولا رأى جوانب ايجابية في نتائج القمة. وقال وزير الاعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه الذي رافق الرئيس الفلسطيني الى القمة انها كانت ايجابية للغاية ومهمة للغاية من الناحية السياسية. واضاف ان القادة العرب تبنوا البرنامج السياسي للانتفاضة وان القرارات اكدت مساندة العرب للانتفاضة بوصفها حركة شعبية سلمية وزودوها بالدعم المالي. ولكن مسئولا بارزا آخر قال ان الناس في الشارع الفلسطيني يعتقدون ان القادة العرب لم يقدموا ما يكفي في القمة. واشار الى ان الفلسطينيين اعتقدوا ان اقل ما يمكن هو ان تقطع مصر والاردن اللتان ابرمتا اتفاقين للسلام مع اسرائيل علاقاتهما مع اسرائيل الى ان تنتهي اعمال العنف. واضاف المسئول الذي طلب عدم الافصاح عن اسمه ان (الانتفاضة هي سبب عقد القمة العربية واعتقد ان الشعب محبط من قرارات القمة. فهي غير كافية ولا ترقى الى مستوى التضحيات الفلسطينية). وفيما قال وزير التعاون الدولي نبيل شعث انهم راضون عن النتائج معتبرا ان انعقاد القمة انجاز بحد ذاته, قال المفاوض الفلسطيني حسن عصفور ان هناك فجوة بين المطالب الفلسطينية والقرارات. وجاءت اراؤه مؤكدة لما يدور في الشارع الفلسطيني في مدينة رام الله بالضفة الغربية حيث شكا الناس من ان قرارات القمة كانت معتدلة اكثر من اللازم. وقالت مواطنة فلسطينية (سيمدونا بالدعم المالي. ومن يريد مالهم.. لسنا بحاجة اليه. نحن بحاجة لدعم معنوي والاهم من ذلك اننا بحاجة الى افعال تجبر اسرائيل على الانسحاب من ارضنا). على الجانب الآخر أعربت إسرائيل عن ارتياحها لان النتيجة النهائية للقمة لم تكن أشد حدة, حيث ذكر المتحدث بلسان حكومتها نعمان شاي أن البيان الختامي يشكل انتصارا لمنطق (الحكمة) في العالم العربي. وبالرغم من ذلك أكد رئيس الوزراء الاسرائيلي إيهود باراك ان إسرائيل ستستمر في خططها بشأن أخذ (وقت مستقطع لاعادة تقييم) عملية السلام, في قرار غامض بدا ناتجاً عن عوامل اخرى مؤثرة اكثر من نتائج القمة. وفي وقت لاحق جاء في بيان لرئاسة الحكومة ان (اسرائيل ترفض رفضا قاطعا لغة التهديد التي استخدمت خلال القمة وتدين دعوات مواصلة العنف). واضاف البيان ان (اسرائيل تدعو الفلسطينيين الى احترام تعهداتهم والى وقف العنف وحملتهم التحريضية والى ان يفرضوا فورا الهدوء والعودة الى النظام قبل حدوث تصعيد كبير لا سمح الله)!. وتابع البيان ان (اسرائيل لا تزال تتطلع الى السلام من خلال الدفاع عن مصالحها الامنية الحيوية بلا تهاون او مهادنة وستواصل العمل على تحقيق مصالحة مع العالم العربي لكن ليس بأي ثمن وليس تحت ضغط العنف). وفي موقف آخر قال متحدث رسمي ان رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك امتدح بحرارة (الجهود الكبيرة) التي بذلها الرئيس المصري (للابقاء على نهج متوازن) خلال القمة. وقال المتحدث في بيان ان (رئيس الوزراء يقدر الجهود الكبيرة التي بذلها الرئيس مبارك للابقاء على نهج متوازن يدعو الى السلام وضبط النفس خلافا للمواقف المتطرفة). واضاف المتحدث ان (الرئيس مبارك زعيم له ثقل في العالم العربي ويعمل على حماية حقوق الفلسطينيين). وكان وزير الخارجية المصري اعتبر ان قرارات القمة رسالة غضب موجهة الى اسرائيل بسبب (الفظاعات) التي ارتكبت بحق الفلسطينيين. وقال موسى في تصريح لصحفي سأله عن رد فعل اسرائيل على قرارات القمة ان (العرب غاضبون وهذه هي رسالة القمة). وكان موسى يتحدث خلال مؤتمر صحفي مشترك عقده مع الامين العام للجامعة العربية عصمت عبد المجيد. وتجنب موسى الرد مباشرة على سؤال وجهه صحفي عما اذا كانت مصر ستقطع علاقاتها مع الولايات المتحدة في حال نقلت سفارتها من تل ابيب الى القدس كما ينص بيان القمة. واجاب الوزير المصري ان (نقل اي سفارة الى القدس يعتبر اجراء عدوانيا ضد الدول العربية وهو قرار يدمر عملية السلام). وقال موسى للصحفيين الذين طلبوا منه توضيح القرار الذي اتخذته القمة بشأن العلاقات مع اسرائيل ان (النص واضح اقرأوه). وقال موسى (أكان (الاسرائيليون) راضين ام لا فهذا شأنهم لكنني لا اعتقد انهم راضون). القاهرة ــ مكتب (البيان) والوكالات: