بعد ساعات تنعقد قمة رباعية تضم أطرافا فلسطينية ومصرية وإسرائيلية وأمريكا في شرم الشيخ. وقد لا يملك المحلل السياسي إلا أن يستدعي إلى الذاكرة قمة سابقة عقدت بدورها في شرم الشيخ وحرص الرئيس الأمريكي كلينتون أن يشهدها أيضا, وكان هدفها المعلن هو ضمان الأمن في الشرق الأوسط ويومها ترددت شعارات تقول بمكافحة الارهاب ومحاربة الارهابيين وهي المصطلحات الأثيرة إلى قلب الإدارة الأمريكية والتي لابد وأن نعترف بنجاح الدعاية الصهيونية واللوبي اليهودي في بيعها إلى جماهير الشعب الأمريكي متجاهلين في ذلك ارهاب الدولة المنهجي والمنظم الذي يمارسه الاحتلال الصهيوني في الضفة الغربية وقطاع غزة. مرة أخرى يعود الرئيس كلينتون إلى السواحل الشمالية الشرقية من البحر الأحمر في اجتماع يضم هذه المرة ايهود باراك وليس شيمون بيريز الذي شهد اجتماع شرم الشيخ الأول. ومرة أخرى سوف يكرر الطرفان الأمريكي والإسرائيلي مطالبهما التقليدية التي تقول بوقف العنف في الأرض المحتلة وسوف يسبحان بحمد السلام ولن يتورعا عن الإحالة إلى الاتفاقات والمواثيق والعهود التي تراجع عنها ـ في رأيهما ـ الطرف الفلسطيني. بيد ان جديد شرم الشيخ سيكون عند الطرفين العربيين ـ من مصر ومن فلسطين. سوف يجلس المفاوض المصري إلى مائدة شرم الشيخ وفي أسماعه ما ظلت تهدد به القاهرة ما بين أزهرها وجامعاتها وشوارعها وملايينها من مظاهرات الغضب ومشاعر السخط الوطني والقومي على ما اقترفه الاحتلال الاسرائيلي من جرائم حرب تصل إلى مستوى الإبادة الجماعية للبشر ــ الأطفال بالذات ـ في الأرض المحتلة. وسوف يجلس الطرف الفلسطيني إلى مائدة التفاوض وقد جاء من أرض حولتها الدبابات والصواريخ والمدافع والمروحيات الاسرائيلية إلى ساحة قتال تقذف فيها الآلة الحربية الصهيونية بالحمم لعلها تخمد انتفاضة شعب أعزل إلا من إيمانه بحقه في تراب وطنه وإلا من رفضه لظلم تاريخي وقع عليه وإلا من مطالبته العالم المتحضر بأن يكفل له الحد الأدنى من حقوق البشر وهو حق تقرير المصير. نبادر فنؤكد اننا لسنا ـ موضوعيا ـ ضد المساعي الدبلوماسية ولا المبادرات السياسية ونبادر في الوقت نفسه كي ننبه إلى ألا تتخذ هذه الجهود الدبلوماسية ذريعة لاخماد انتفاضة شعب فلسطين أو لتقديم دماء الشهداء وعذابات المصابين ثمنا رخيصا مقابل تلبية مطالب لا تتناسب مع جلال التضحيات ولا مع حجم المطالب الوطنية العليا في العدل وفي الحرية وفي الاستقلال. المطلوب إذن من قمة شرم الشيخ ألا تصادر على الخيارات المفتوحة ــ تاريخيا ـ أما جماهير شعبنا في الأرض المحتلة والمطلوب منها ان تصدر ــ بالنسبة للطرف العربي بالذات ـ عن منطق التوازن بين ضرورات الفعل السياسي والاجتهاد الدبلوماسي وبين اندفاعة العمل النضالي على أرض الواقع. المطلوب من قمة شرم الشيخ أن تضم إلى عضويتها الرباعية عضوا خامسا هو صوت الشعب الغاضب.. صوت الناس البسطاء الذين ضحوا وساندوا وتبرعوا في بلاد العروبة والإسلام. ولا يزالون يفعلون. والمطلوب أخيرا من قمة شرم الشيخ ألا تحمل أي معنى للمصادرة على قمة العرب الشاملة المرتقبة بل قد تكون بمثابة دورية استكشاف لامكاناتها واحتمالاتها وللنتائج المطلوبة منها. وبين قمة الاستكشاف الوشيكة, وقمة الفعل العربي المرتقبة تظل شعوبنا وفي مقدمتها شعب الأرض المحتلة قابضة على جمر اللحظة, مؤكدة دورها ووجودها في الواقع وفي التاريخ.