وسط نيران الحرب العربية ـ الإسرائيلية الخامسة التي تدور رحاها في هذه اللحظات فوق أرض فلسطين العربية.. كان لابد لأوهام السلام أن تسقط, وكان لابد لأساطير التعايش ودعاوى التطبيع أن تزول وتتبدد بعد أن فضحت زيفها حرب الدبابات ومدافع المروحيات وهجوم الصواريخ من البر والبحر والجو وقد شنته قوات العدو الصهيوني المسلحة ضد جموع السكان المدنيين في الأرض العربية المحتلة وعلى مرأى ومسمع من العالم كله. هكذا جاءت المواجهة الخامسة بين الأمة العربية وعدوها الصهيوني, المسلح بأحدث أسلحة العصر وبآخر ما أنتجته الترسانة الأمريكية ـ جاءت لتضع (أجندة) نضالية جديدة.. ومضمخة بدماء الشهداء الذين سقطوا والجرحى الذين أصيبوا ـ أمام القمة العربية المرتقب عقدها في القاهرة ولتؤكد بالنار والبارود أن الشعوب العربية والأمة الإسلامية تنتظر من قادتها وزعمائها ما هو أكثر من مجرد الشجب أو الإدانة أو الدعوة إلى تهدئة المواقف وضبط النفس أو تسكين الخواطر. تحت نيران الغارات الكثيفة الغاشمة للآلة الحربية للعدو الإسرائيلي سقطت مقولة ان حرب أكتوبر ـ تشرين 73 هي آخر الحروب. ذلك لان عدونا لم يكف عن خوض حربه مع أمتنا وشعبنا الفلسطيني طيلة سنوات الربع الأخير من القرن العشرين, لقد ظل يخوض الحرب ضدنا ولكن بوسائل الصراع الأخرى وفي مقدمتها ما يمكن أن نصفه بأنه (غارات السلام) وقد تعددت مواقعها وتنوعت مسارح عملياتها ما بين كامب ديفيد الأولى إلى مدريد, وما بين أوسلو إلى واي ريفر, وما بين كامب ديفيد الثانية إلى شرم الشيخ. وفي كل هذه المواقع كان عدونا يتوخى هدفا أساسيا ومحوريا هو: كسر الإرادة العربية, ولم ينجح في تحقيق هذا الهدف لا مع انكسار عام 1967 ولا في ظل انتصارنا عام 1973. ومن ثم كان عليه أن يواصل مسيرته نحو هدفه بوسائل الحركة الدبلوماسية والمناورة السياسية وتحت شعارات ومسميات شتى ما بين انهاء حالة الحرب.. إلى اسقاط الحاجز النفسي إلى نشر ثقافة السلام إلى بناء الشرق الأوسط الجديد أو السوق الشرق أوسطية, إلى آخر وسائل تطويع الإرادة وتدجين المقاومة والالتفاف الخبيث والحثيث حول القضية ـ الأساس وهي اقرار الحقوق المشروعة, غير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني وفي مقدمتها حقه في تقرير مصيره واقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني. ولقد سقط العشرات من أبناء شعبنا ومنهم أطفال في عمر الزهور وسقط المئات من الجرحى ومنهم شباب ونساء وشيوخ.. وجاد هؤلاء وأولئك بأغلى ما يملكون لكي يؤكدوا ان المطلوب تكريسه وتأكيده في هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ أمتنا هو ثقافة المقاومة وهو ثقافة الرفض الإيجابي.. الواعي والمستنير والمدرك تماما لصعوبة المواجهة وضرورات الحشد لمواصلتها على المستوى العربي والإسلامي والدولي على السواء. وعندما تسقط خرافة السلام, وعندما ترتفع أعلام دعوة المواجهة والمقاومة لابد وأن تتغير لغة الخطاب السياسي العربي بحيث تختصر الكلمة لصالح الفعل, وبحيث تدرك الأطراف العربية, كل الأطراف العربية انها بحق أمام لحظة مصير لم تعد تحتمل استمرار الحرب الأهلية العربية ـ العربية, ولا عادت تحتمل تراشق الاتهامات أو المزاودة على الشعارات أو الطروحات. في فلسطين الداخل نرى ان المطلوب هو تأكيد وتوطيد وحدة الفعل الوطني بين فصائل شعبنا المناضل في الأرض المحتلة.. على اختلاف التوجهات السياسية أو العقائدية أو الدينية وبحيث تصبح السلطة الفلسطينية بحق جزءا من ملحمة نضال الشعب وليست إرادة فوقية تعلو ارادته أو طموحاته بحال من الأحوال. وفي وطن العرب الأكبر, لم تعد وقائع الأمس واليوم, ولا احتمالات المستقبل المحفوفة بخطر محدق وجسيم, تحتمل الامعان في قراءة ملفات الماضي بكل ما حفلت به من سلبيات وأخطاء. إن المواجهة الشاملة.. الراهنة مع العدو الصهيوني, ومع القوى العاتية التي تؤازره بكل الامكانات ـ إنما تقتضي البدء بمصالحة عربية وتنقية الأفق العربي من رواسب الأخطاء التي وقعت في الماضي, واغلاق الملفات التي حفلت بوقائع الحرب الأهلية العربية, بالاضافة إلى اغلاق ما تبقى من مواقع التواصل الدبلوماسي أو التجاري مع العدو الصهيوني الذي ما زالت وقائع الأمس واليوم والغد تؤكد استهانته بالعرب كأمة لان العرب لم يواجهوه يوما كأمة لها امكاناتها ووجودها واسهامها في الواقع وفي التاريخ. مرة أخرى, فلتسقط دعاوى السلام مع الاحتلال الصهيوني لانه سلام مستحيل ما دام الاحتلال قائما وما دام العدوان الغاشم متواصلا. ولترتفع ثقافة المقاومة على مستوى الشعوب والحكام رفضا للظلم واعلاء للحق وهو ما ترضاه الشرائع السماوية وما تؤكده كرامة البشر وحقوق الإنسان.