تحت سمع وبصر كل العالم، وعلى الهواء مباشرة، اعلنت الصهيونية ممثلة في اسرائيل، حرب ابادة شاملة ضد الشعب الفلسطيني، مستخدمة المقاتلات والصواريخ والدبابات والمدفعية ضد شعب يدافع عن ارضه وكرامته بالحجر والمقلاع والحنجرة وبنادق بدائية لم يستخدمها رجال الشرطة بفعالية حتى الآن. اسرائيل اعلنت حربا حقيقية وكاملة، اطلقت خلالها رصاصة الرحمة على ما يسمى بعملية السلام، والتي اتضح جليا انها لم تزد على عملية تسوية مشوهة وعرجاء كان يراد لها فرض الشروط الاسرائيلية على كل المنطقة العربية عبر طاولات المفاوضات من مدريد الى كامب ديفيد مرورا باوسلو وكل العواصم التي شهدت جولات عقيمة للتفاوض وعشرات الاتفاقيات، التي لم تستطع اكبر قوة في العالم وهي الولايات المتحدة ضمان تنفيذها رغم انها كانت الراعي والمحتضن والداعم لهذه الاتفاقيات التي شهدت صخبا اعلاميا هائلا تناساه الجميع الآن تحت وقع قرقعة آلة الحرب الاسرائيلية البشعة. غارات اسرائيل بالامس او بالاحرى حربها ضد المؤسسات الفلسطينية في رام الله وغزة وقصفها لمقر ياسر عرفات نفسه، فضحت كل ما قيل عن السلام الاسرائيلي، لكن الاهم انها فضحت كل ما سيقال مستقبلا عندما تهدأ اصوات المدافع والصواريخ وازيز الطائرات، وتبدأ واشنطن هوايتها في محاولة لملمة الوضع الذي انفجر في وجهها بالاساس بعد ان فاجأ هذا الوضع المؤسسة الاسرائيلية بأكملها من باراك الذي صوروه باعتباره حمامة سلام إلى السفاح شارون وحزب الليكود مرورا بما يسمى زورا بمعسكر السلام. وبالامس فاق كل العرب خاصة بعض القيادات الرسمية على حقيقة مؤلمة وهي ان الولايات المتحدة او الوسيط النزيه والراعي المعتمد للتسوية، ليس اكثر من وجه آخر للبشاعة الصهيونية، ففي الوقت الذي كانت فيه آلة الحرب الصهيونية تدك المنازل والمؤسسات الفلسطينية في رام الله وغزة وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة لم تملك وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت من كلمات سوى تعزية اسرائيل في مقتل جنديين لها حاولا التسلل وسط المتظاهرين الفلسطينيين الابرياء للقبض عليهم، ولم تنس الوزيرة المخلصة حتى النخاع لأصولها اليهودية والصهيونية مناشدة العالم الضغط على ياسر عرفات لاقناعه بوقف العنف ضد اسرائيل. وربما لم يشهد العالم او التاريخ المعاصر بجاحة وصلفا وعمى سياسيا مثلما يشهده الآن من الدبلوماسية الامريكية، التي تلوم الضحية رغم انها ترى على الهواء مباشرة الجلاد وهو يتفنن في قتل وجلد وسحل ابرياء لا يملكون سوى ايمانهم بحقهم في الوجود والعيش بحرية في ظل عالم انتهت منه تماما كل اشكال الاحتلال وقمع شعب بواسطة قوة احتلال. ورب ضارة نافعة فهذه الحرب الهمجية التي اكدت للعرب اولا وللعالم ثانيا وحشية اسرائيل وتواطؤ امريكا حركت الشارع العربي من المحيط للخليج، اضافة للعالم الاسلامي وبعض قليل من العالم المتحضر، واذا كانت حركة الشارع العربي منذ اندلاع الانتفاضة قبل اسبوعين وحتى الآن قد اكدت حقيقة كدنا نتصورها غير موجودة، وهي ان الشارع العربي قد اصيب بالموات الكامل، فالمطلوب الآن ـــ الآن وليس غدا ـــ ان تتطور حركة السياسة العربية الرسمية كي تلحق بنبض هذا الشارع. ماهو مؤكد الآن اننا نعيش اجواء الشارع العربي عقب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 عندما انتفضت الجماهير العربية ضد المعتدين، وماحدث في عدن امس دليل عملي على هذه الاجواء. صحيح ان بعض العواصم العربية بدأت تحاول اللحاق بحركة الجماهير في الشوارع مثلما فعلت سلطنة عمان امس باغلاقها للمكتب الاسرائيلي في مسقط واغلاق مكتبها في اسرائيل، ومثلما فعلت القاهرة برفضها الوقوع في الفخ الامريكي عبر قمة رباعية في شرم الشيخ لاجهاض كل من الانتفاضة والقمة العربية. ولكن كل هذه الخطوات رغم اهميتها لم تعد كافية في ظل الحرب المعنلة من جانب اسرائيل.. الشارع العربي لا يقبل الآن بأقل من عقد القمة العربية غدا او بعد غد على اقصى تقدير لاتخاذ قرارات حقيقية ورادعة في وجه هذه الهمجية الاسرائيلية. القمة في حد ذاتها ليست هدفا، بل وسيلة كي تقنع هذا الوحش الصهيوني بالعودة الى قمقمه. واذا كان التبكير بعقد القمة متاحا فهناك عشرات الوسائل لتحقيق هذا الهدف، يكفي بضعة اتصالات بين القادة والمسئولين العرب باتخاذ اجراءات محددة يعرفها الجميع ويطالب بها الجميع كل لحظة في الشوارع العربية. الآن وضح لنا جميعا ان ما يسمى بالعالم المتحضر ـ الذي يزعجنا ليل نهار باسطوانة حقوق الانسان المشروخة ـ لا يحترم سوى الاقوياء فقط، فهذا العالم المتحضر انتفض عن بكره ابيه من روسيا الى الاتحاد الاوروبي والامم المتحدة فقط من أجل الافراج عن ثلاثة جنود صهاينة تم اسرهم في ارض عربية محتلة بجنوب لبنان، ونسوا تماما ان هناك الاف الاسرى والمعتقلين العرب في السجون الاسرائيلية منذ عشرات السنين! فهل نتحرك الآن ام نتحول إلى هنود حمر الالفية الجديدة؟!!