أكد الكاتب والمحلل السياسي الاسرائيلي جدعون ليفي من خلال مقال تحليلي له نشرته صحيفة (هآرتس) الاسرائيلية, وللمرة الاولى في تاريخ الصحافة الاسرائيلية, ان اسرائيل علمت العرب أن الطريقة الوحيدة للتفاهم معها هي (لغة القوة) . وأشار ليفي في هذا المقال ـ السابقة إلى أن اللجوء المفرط الى القوة من جانب الحكومة الاسرائيلية في المواجهات مع الفلسطينيين فتح الباب للاعتماد الدائم من الجانب الفلسطيني على القوة في التعامل مع الاسرائيليين بعد أن لم يعد هناك بديل آخر غيرها. وفيما يلي نص هذا المقال: (ليست هذه الحقيقة بالأمر المقبول من حيث قولها ولكن لابد من ذكرها: من خلال القوة وحدها حقق العرب ما حققوه, على امتداد الصراع العربي الاسرائيلي وبالتأكيد في غضون الأعوام الثلاثين الأخيرة. من يوم كيوبر عام 5734 (1973) الى روش هاشانا 5 من عام 5761 لم يؤد العنف الى حصول العرب على مكاسب فحسب, وإنما اظهرنا لهم أن العنف هو الطريق الوحيد المفتوح أمامهم. ولقد قيل على الدوام في صفوفنا ان (العرب لا يفهمون إلا القوة وحدها) وتبين حقاً أن القوة هي لغتنا الوحيدة الرسمية حتى وان كان القادة الاسرائيليون قد حرصوا على الدوام على تأكيد أن (العرب لن يجنوا أي شيء عن طريق القوة) . ولنتذكر, على سبيل المثال التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع الاسرائيلي وقتذاك اسحق رابين في ذروة الانتفاضة من أن الفلسطينيين لن يحققوا شيئاً بالحجارة. والواقع أنه لم يتحقق منذ العصر الحجري كل هذا الانجاز كالذي حققه الفلسطينيون بالحجارة. والواقع أن اسرائيل ما كانت لتنسحب من سيناء بأسرها لولا كارثة حرب يوم كيوبر, وما كانت اسرائىل لتجري مفاوضات مع (منظمة التحرير الفلسطينية) وتوقع اتفاقات اوسلو لولا الانتفاضة, وما كانت اسرائىل لتنسحب من لبنان لولا سفك دماء الجنود الاسرائيليين على يد مقاتلي حزب الله, لأن ذلك هو ما جبلنا عليه, فنحن لا نتخلى عن شيء إلا عندما يغدو الثمن الذي ندفعه من دمنا باهظاً. وكل تحركات اسرائىل باتجاه السلام, وبصفة خاصة كل تنازلاتها لم تتحقق إلا بعد دوائر مؤلمة من العنف. والخلاصة التي يمكن الوصول إليها من هذا كله تجعل قشعريرة باردة تسيطر علينا, والرسالة التي تبعثها للعرب رهيبة. ومن السهولة بمكان هذه الايام ان يلجأ المرء الى شقشقة اللسان وان يدين العنف الذي لجأ اليه عرب اسرائىل, فالقاء الحجارة وتحطيم مصابيح الشارع هما حقاً عملان جديران بالادانة, واحداث اختناق في حركة المرور هو امر غير لائق. واليهود المنتمون إلى اليمين واليسار يشعرون بالصدمة, ولاشيء غير الصدمة, ولكن من الذي بوسعه أن يشير الى طريق آخر مفتوح أمام خمس سكان اسرائىل, مواطني هذه الدولة, بعد 25 عاما من التمييز والاذلال؟ الآن على الأقل شكلت لجنة للنظر في الامر. وبعد هبة عنفهم المقبلة والتي ستكون بالتأكيد أشد احتداما وأكثر إيلاما, فإن دولة اسرائىل ستتذكر أنه كان يتعين القيام بالمزيد, ومن المؤكد أنه لا يمكن القول انهم لم يجربوا اولا طرقا بعيدة عن العنف. حيث تمتد 25 عاما من الولاء المثالي والمبالغ فيه تقريبا من جانب عرب اسرائىل والطاعة لدولة ليست حروبها بحروبهم ولا نشيدها الوطني بنشيدهم ولا لغتها بلغتهم ولا عطلاتها بعطلاتهم, وعلى الرغم من هذا كله فإنها تعاملهم على هذا النحو. الآن هاهم شبابهم يخرجون إلى الشوارع وينطلقون الى رحاب العنف, ويعود عليهم ذلك بالفائدة, وهم يعرفون انهم لن يحصلوا على شيء من دون هذا العنف. والآن هاهم أيضا يبرهنون مثلما برهن اخوانهم في الاراضي قبل وقت طويل ان اسرائىل القوية هي التي لا تحقق شيئاً عن طريق القوة. وفي عطلة نهاية الاسبوع الماضي أعرب الممثل محمد البكري الذي قام بالتمثيل على مسارح اسرائىل على مدى سنوات طويلة بالاعراب عن حيرته وتساءل عما اذا كان على خطأ طوال الوقت وما إذا كان يتعين عليه اختيار طريق النضال المسلح والانضمام الى منظمة التحرير الفلسطينية في شبابه, ذلك ان كأس المذلة والهوان قد مرت عليه بدوره, وهو الرجل الذي يجسد قصة نجاح اسرائيلية, وفي الاسبوع الماضي لم يقف مجددا في وجه ابنه عندما خرج هذا الاخير الى الشارع لالقاء الحجارة على رجال حرس الحدود الاسرائىليين الذين حاصروا قريتهما. ومحمد البكري ليس وحده الذي تساوره مثل هذه الافكار, ولا يمكن للمرء أن يلومه, فقد علمنا البكري وجيله ان القوة هي الطريق الوحيد. لقد كبحوا جماح انفسهم وجربوا طرقاً أخرى بما فيه الكفاية ولكننا أصررنا على أنه من خلال القوة وحدها يمكنهم التعامل معنا. وما أعظم انطباق هذا القول نفسه على الأراضي! لقد مرت العشرون سنة الأولى من الاحتلال على نحو بهيج بالنسبة لنا, حيث مضى الفلسطينيون في طاعة واذعان يغسلون اطباقنا ويكنسون شوارعنا ويشيدون بيوتنا واعتقدنا ان تلك هي الكيفية التي سيستمر بها الامر الى الابد, ثم اندلعت الانتفاضة ولطمتنا على وجهنا وبعد مصرع 1148 فلسطينياً و154 اسرائيلياً وافقنا على اجراء مفاوضات مع منظمة التحرير الفلسطينية وبعد اراقة الدماء الكبرى المقبلة وحدها سنوافق على السماح لهم باقامة دولة داخل حدود 1967 كما هو حقهم. هل هذه هي الكيفية التي ينبغي ان تمضي بها الامور؟ كلا على الاطلاق خذ على سبيل المثال قبر يوسف فالجميع كان يعرف ان اسرائيل سوف تنسحب بالفعل منه فما الجدوى اذن من التصلب؟ لقد اعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي اننا لن نذعن امام العنف عن طريق الانسحاب وهذا هراء, على نحو ما برهنت نهاية الاسبوع الماضي, ومن الاكثر دقة القول اننا ولو لمرة لم نستسلم للعنف المحدود ولو اننا كنا قد فعلنا هذا خلال الانسحاب من نابلس من تلقاء انفسنا لبدا امراً مختلفاً, لماذا لم ننسحب قبل ذلك؟ ما الذي حدث فجأة فجعل نائب وزير الدفاع يدرك انه (ليست لنا مصلحة في ان نكون هناك) ؟ يبدو انه لم تتم اراقة ما يكفي من الدماء عند تلك المقبرة وبعد اراقة ما يكفي من الدماء عند نتساريم سوف ننسحب من هناك ايضاً. ما هي الخلاصة التي لا بد للجانب الفلسطيني من الوصول اليها من هذا؟ انه ينبغي عليه ان يصعد العنف لقد خدمهم العنف حتى الآن, ان الوقت لم يفت بعد لكي تقوم اسرائيل بتغيير نمط تصرفاتها وحتى بالنسبة لأولئك الذين تبدو المسألة من منظورهم لعبة قوى فإن التنازل قبل العنف يشير الى قوة اعظم من التنازل بعد استخدام هذا العنف وهذا يمكن البدء به في التو, وبطريقة رمزية, عن طريق اخلاء نتساريم, وكفار داروم, والمستوطنة اليهودية في الخليل. لماذا لا نقوم بذلك قبل عملية سفك الدماء التالية؟ اننا سنوضح لانفسنا وللطرف الآخر ان هناك طريقاً آخر, طريقاً لا يمر باستخدام القوة) .