الاكثر ايلاماً من البربرية الاسرائيلية هو هذا الصمت العربي المخزي تجاه المأزق الدامي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني في مواجهة الآلة العسكرية الهمجية للاحتلال. حصيلة شهداء انتفاضة الاقصى في يوم واحد تتجاوز اكبر ثلة من الشهداء الذين صعدت ارواحهم ذات يوم والانتفاضة الفلسطينية في أوجها. في المقابل يبلغ صمت العرب والمسلمين درجة متدنية في اللامبالاة. اذ يخلو الشارع في كل المدن العربية والاسلامية من الحد الادنى للتفاعل مع الدم الفلسطيني الساخن الى مرحلة العداء للوطن والعقيدة. هذا التناقض الفادح بين الغليان داخل فلسطين والبرود خارجها جدير بالتقصي, اذ انه يؤشر لتمرير احتمالات بالغة الخطورة تخترق اثارها المسجد الاقصى وفلسطين وسلطة الحكم الذاتي. ابان ذروة الانتفاضة في الثمانينيات كانت المظاهرات الاحتجاجية والتضامنية ظاهرة عربية تخرج عفوية أو منظمة في مختلف المدن بغض النظر عن هوية الانظمة وايديولوجياتها. ثمة شعارات وهتافات كانت تطال بعض الانظمة ذاتها. لحظة الانفعال بالانتفاضة كانت تفرض على أجهزة القمع قدراً من الانضباط أو الحياء أو الخوف فتغض الطرف عن مرددي تلك الشعارات والهتافات. المنفعلون بالقضية العربية المركزية والمناضلون المنظمون والمتطرفون من اليمين واليسار كانوا يحملون بعض انظمتنا مسئولية ولوغ جنود الاحتلال في الدم الفلسطيني ويحرضون الجماهير على الاحتفاظ بحسها القومي متقداً وبوعيها يقظاً. إذا كنا فقدنا الامل في الانظمة فهل أتى علينا حين من الدهر نفقد فيه ثقتنا في أمتنا؟ أم ترى ان الجماهير العربية والاسلامية فقدت بالفعل حسها القومي وتجردت من وعيها ويقظتها؟ لا أحد يستطيع ان يدين امة او يشكك فيها لكن الصمت الغبي المعلق فوق رؤوسنا إزاء المشهد الفلسطيني الدامي يحرضنا من أجل اعادة العزف على مشاعر الامة ليس مجرد رفض لحالة الاسترخاء والترهل القومي وانما المضي من أجل بحث اسباب هذه الظاهرة. ربما كان لغياب منظمات المجتمع المدني أو خمولها اليد الطولي في هذا الموات السياسي غير أن اجهزة الاعلام لها دور ريادي يفرض مساءلتها في مثل هذه الحالة. فالمحطات الفضائية والارضية التي كرست ليالي طوالاً وهي تتابع جنازة اميرة بريطانية يمكنها أن ترسل بضعة من كوادرها لنقل الدم الفلسطيني الساخن والمهدر على مختلف الاعمار بفعل الرصاص الاسرائيلي. لنقل ـ مع المناضلين القدامى ـ ان بعض الانظمة العربية متواطئة بالصمت مع مخططات العدو وفق استراتيجية مصالح متبادلة, ولكن السؤال: ما بال كل جهات المعارضة العربية باتت تتدثر بالصمت نفسه وهي ترى العدو يتوغل في الدم العربي؟ الاستغراق في حالة الترهل السياسي الحالية يتيح للسلطة الفلسطينية قبول أي مشروع تحت مظلة حقن دم رعاياها وحماية مواطنيها العزل. سلطة الحكم الذاتي لن تكون الضحية العربية الوحيدة. قبل الانظمة يجب على المنظمات الشعبية ان تستعيد حساسيتها الضائعة, كما يجب على حملة قبس التنوير استنفار قدراتهم من أجل حملة جماهيرية مكثفة تزيح أورام الترهل الغبي الذي يكتسي الساحة العربية وإذكاء منابت الحس القومي. ليس المطلوب اعادة بناء جدار يسند المقاتل الفلسطيني فقط ظهره اليه وانما لحماية الامة ومنحها حصانة ذاتية لكي لا يتم اختراقها من الداخل بوسائل مستحدثة. الصمت العربي المخزي يفضح بالفعل تلقيح جسد امتنا بجراثيم وباء وبال ولابد من محاولة النهوض قبل استفحال الداء. كتب المحرر السياسي