تتابع دوائر السياسة الخارجية الامريكية انباء التقدم الذي حققته قوات حركة طالبان في شمال افغانستان, فيما تراقب في الوقت نفسه التطورات الدبلوماسية التي تطرأ على علاقات الحركة ببعض العواصم الرئيسية, وفي مقدمتها باريس وموسكو, وذلك استعداداً لاستقبال وفد الحركة الذي سيصل الى نيويورك خلال ايام. ويبدو ان الاطار العام الذي يفسر هذا الاهتمام الدولي المفاجىء بالتطورات الافغانية الاخيرة لم يتحدد فحسب بالنجاحات العسكرية التي حققتها طالبان خلال الشهر المنصرم, ومنذ بدء حملتها العسكرية الناجحة في مواجهة معارضيها, ولكنه اكتسب ملامح اضافية بسبب ازمة الطاقة التي تجتاح العالم في المرحلة الراهنة. ذلك ان خبراء النفط الامريكيين يتفقون على أن مشكلة الارتفاع الحالي في اسعار البترول ليست إلا مقدمة لمشكلة اعمق وابعد مدى, أي مشكلة التراجع النسبي للامدادات اذا ما قورنت بالزيادة المتصلة في معدلات الاستهلاك. وتشير دراسات وزارة الطاقة الامريكية الى ان بقاء الطاقة الانتاجية التجارية المتاحة حالياً لدى الدول المصدرة للنفط عند نفس مستواها الراهن يمكن ان يؤدي الى (اختناق دائم) في الامدادات بالنظر الى معدلات الطلب المتوقعة. وتعني اراء خبراء الطاقة الامريكيين ودراسات وزارة الطاقة الامريكية دقاً لناقوس الانذار فيما يتعلق بالتوازن الراهن بين العرض والطلب. ويعني ذلك بدوره ان على الدول المستوردة الاساسية ان تبذل جهداً مكثفاً خلال المرحلة المقبلة لحل المشكلات الجيوسياسية التي تعترض ضم موارد جديدة للنفط والغاز الطبيعي إلى قائمة الموردين الحاليين وذلك على نحو عاجل. ونظراً لان افغانستان تعد احد الدروب الاساسية لتصدير النفط والغاز في منطقة آسيا الوسطى فإن انظار المستوردين واللاعبين الاساسيين في صناعة النفط العالمية باتت تنظر الآن الى حركة طالبان على ضوء جديد, هو ضوء ازمة امدادات الطاقة الحالية, وقد ترافق ذلك مع اقرار الدوائر الغربية بان حركة طالبان باتت تسيطر الان على نحو 95% من الاراضي الافغانية, ثم مع بدء الحركة لتحرك دبلوماسي واسع النطاق لإنهاء عزلتها الدولية ولبناء جسور جديدة مع اوروبا الغربية والولايات المتحدة, وادى ذلك ـ على إجماله ـ إلى (تحريك) الملف الافغاني واخراجه من جموده السابق, ومن ثم رصد عدد من التطورات التي تحدث للمرة الاولى على مضمار العلاقات الخارجية لحركة طالبان. من هذه التطورات مثلاً الدعوة التي وجهتها فرنسا لوفد من الحركة للذهاب الى العاصمة الفرنسية وبدء مفاوضات عالية المستوى بين الجانبين. وقد وجهت الدعوة في مطلع شهر سبتمبر, وهي تعد الاولى من نوعها التي توجه من حكومة دولة غربية الى حركة طالبان لبدء مفاوضات تهدف الى تحسين العلاقات, وهي علاقات لم تكن موجودة من الاصل. وتشير تقارير متداولة في واشنطن الى ان اجتماعا عقد بالفعل بين وفد من الحركة يرأسه نائب وزير خارجيتها عبدالرحمن زاهد وعدد من كبار المسئولين في الخارجية الفرنسية في باريس في منتصف سبتمبر. وتعتقد هذه التقارير ان باريس اقدمت على هذه الخطوة بالتشاور مع شركائها الاساسيين في الاتحاد الاوروبي, وان السابقة قد تكون مقدمة لاعتراف دبلوماسي اوروبي بحكومة طالبانية في افغانستان خاصة مع تلميح روما لامكانية اقدامها على نفس الخطوة. والمعروف ان شركات النفط الفرنسية ضخت استثمارات هائلة في منطقة جنوب آسيا الوسطى, وخصوصا في كازاخستان وتركمانستان, وتجد هذه الشركات صعوبة حقيقية في ضخ كميات الغاز الضخمة سواء الى الاسواق الاقليمية المتعطشة للطاقة, مثل اسواق الهند وباكستان, او الى الاسواق الدولية سواء في آسيا ـ اليابان وكوريا الجنوبية ـ أو في نصف الكرة الغربي. ويأتي السبب الاول لهذه الصعوبة من الحرب الداخلية في افغانستان فضلا عن عدم تبلور نظام اقليمي يتيح توسع مشروعات الطاقة وخفض حدة التوتر بين اللاعبين الاقليميين الاساسيين. واشنطن ـ عصام الدين عبدالعزيز