تعثرت أمس الرحلة الجوية التي كان من المفترض أن تنطلق من باريس إلى بغداد, في أول فشل على صعيد كسر الحصار الجوي الذي توالت مبادراته مؤخرا, لكن بغداد استقبلت في المقابل طائرة يمنية بعد أن تخطت في آخر لحظة عقبات كادت تؤدي إلى الغاء رحلتها. وتغادر طائرة تابعة للخطوط الجوية الملكية المغربية غدا الدار البيضاء عند منتصف الليل الى بغداد وعلى متنها حوالى ثلاثين شخصية ومساعدات انسانية, حسبما اعلن منسق اللجنة المغربية لدعم العراق محمد لخصاصي لوكالة فرانس برس. وقال (لقد ابلغنا لجنة العقوبات في الامم المتحدة عن الرحلة لكننا لا ننتظر منها الضوء الاخضر وستنظم الرحلة في جميع الأحوال. واشار الى ان الحكومة المغربية وافقت على تنفيذ هذه الرحلة. وفيما حمل منظمو الرحلة الفرنسية المفترضة حكومة باريس المسئولية في تعطيل الرحلة قائلين انها رضخت لضغوط أوروبية وأمريكية, تأخرت الرحلة اليمنية أكثر من ساعتين بعد أن رفضت السلطات السعودية في البدء السماح بمرورها عبر أجوائها مطالبة بدليل يثبت موافقة الأمم المتحدة عليها. وحطت الطائرة اليمنية بمطار صدام الدولي في ثاني رحلة عربية تكسر الحظر الجوي المفروض على العراق منذ عشر سنوات, حاملة مساعدات إنسانية مخصصة للشعب العراقي. وكان نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز ووزير الاعلام والثقافة همام عبدالخالق في استقبال المسئولين اليمنيين عند وصولهم الى المطار على متن طائرة الخطوط الجوية اليمنية. ويترأس وزير الخارجية عبد القادر باجمال الوفد اليمني المكون من 64 شخصا. وكانت الطائرة اليمنية قد عادت ادراجها بعد مغادرتها صنعاء صباح أمس بسبب رفض السلطات السعودية السماح لها بدخول مجالها الجوي بدون حصولها على اذن مسبق من الامم المتحدة. وقالت مصادر في مطار صنعاء الدولي لوكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) ان الطائرة أقلعت بعد أن حصلت على موافقة السلطات السعودية على عبور أجوائها, ولكن عن طريق طرف ثالث هو الاردن وليس مباشرة إلى بغداد كما طلبت صنعاء. وأشارت المصادر إلى أن موافقة السلطات السعودية جاءت بعد اتصالات مكثفة بين الرئيس اليمني علي عبد الله صالح والامير السعودي سلطان بن عبد العزيز وزير الدفاع, بعد أن كانت السلطات السعودية قد رفضت منح الطائرة حق عبور أجوائها. وفي آخر المطاف عبرت الطائرة الأجواء الأردنية دون أن تهبط في مطار عمان كما أعلن في وقت مسبق. ويضم الوفد اليمني اضافة إلى باجمال عبد الرحمن الاكوع وزير الاعلام وشخصيات بارزة من مجلس النواب والمجلس الاستشارى والاحزاب واتحاد النساء والتنظيمات الشعبية اليمنية. وصرح باجمال ان الوفد يحمل معه معونات غذائية وطبية تعبيرا عن تضامن الشعب اليمنى مع الشعب العراقى. وقال عزيز للصحفيين (نحن نقدر هذه المبادرة تقديرا عاليا لانها تعبر عن موقف الشعب اليمني والقيادة في اليمن اللذين كانا دائما يطالبان برفع الحصار) . وادان (موقف واشنطن ولندن غير القانوني والمغرض لان امريكا وبريطانيا تريدان فرض حصار اضافي بدوافع سياسية) . واضاف (لا يوجد حظر على الطيران المدني حتى في اطار قرارات مجلس الامن الجائرة) . ومن جهته, قال باجمال ( رسالتنا من خلال هذه الزيارة هي المزيد من التضامن) العربي ورحب بـ (المبادرات الاخرى الروسية والفرنسية لانها بلا شك تفتح آفاقا جديدة لنظام جديد في الشرق الاوسط) . يذكر أن أول طائرة عربية تتوجه الى بغداد منذ عشر سنوات كانت تنقل وفدا أردنيا هبطت يوم الاربعاء الماضى فى مطار بغداد كما أن ثلاث طائرات روسية وطائرة فرنسية قد خرقت الحظر الدولى منذ منتصف شهر أغسطس الماضى وهبطت فى بغداد. وكانت بغداد في انتظار وصول طائرة فرنسية أخرى من باريس أمس لكن الأمر تعثر أيضا في آخر لحظة. واعلن الاب بوانيك رئيس منظمة (اطفال العالم - حقوق الانسان) غير الحكومية, احدى الجمعيات الثلاث المنظمة للرحلة الملغاة, ان (الطائرة المتوجهة الى العراق تعثر اقلاعها) . وبصوت ملؤه الغضب, حمل الاب بوانيك الذي كان موجودا في مطار رواسي (بالقرب من باريس) للصعود الى متن طائرة بلجيكية خاصة مستأجرة, برفقة مئة شخصية فرنسية واوروبية بعنف على الحكومتين الفرنسية والبلجيكية اللتين اعتبرهما مسئولتين عن هذا الفشل. وندد الاب بوانيك (بجبن الحكومة الفرنسية ومسئولية السلطات البلجيكية في فشل عمليتنا الانسانية والتضامن مع الشعب العراقي ضحية احدى اكبر المظالم في هذا القرن) . واعلن ان (ازعاجات ادارية وضغوطا من كل الانواع منسقة للغاية ادت الى افشال هذه الرحلة الى بغداد التي تهدف الى التنديد بالحظر الجوي المفروض على العراق والذي يسفر عن مقتل طفل كل ثماني دقائق) . وتابع (بحجة عدم مضايقة مجلس الأمن الدولي وعدم ازعاج مادلين أولبرايت (وزيرة الخارجية الأمريكية) التي تأتي الاثنين إلى باريس, بذلت الحكومات الأوروبية كل ما في وسعها لمنع هذه الطائرة من الهبوط تضامنا) مع أطفال العراق. وأضاف ان (فرنسا بلد حقوق الإنسان ترضخ مرة أخرى لارادة الولايات المتحدة بالتآمر مع السلطات البلجيكية) مذكرا بأن (البرلمان الأوروبي الذي سيشارك عدد من أعضائه في الرحلة طلب رفع الحظر) . وفي حين قال بوانيك (لن نغادر المطار واننا مستعدون للبقاء طوال الليل الى أن نتمكن من الاقلاع) , أعلن مصدر آخر ان الركاب المئة الذين كان من المقرر أن يشاركوا في رحلة الـ (طائرة من أجل العراق) ولم يتمكنوا من الاقلاع باتجاه بغداد, يعتزمون التوجه جوا إلى روما حيث يريدون السفر منها إلى بغداد). لكن وفي وقت لاحق قال منظمو الرحلة لوكالة فرانس برس انه تم الغاء رحلتهم إلى بغداد بسبب تعذر توجههم إلى روما التي كانوا يأملون الانطلاق منها إلى بغداد. وقال بوانيك ان (العملية قد ألغيت مؤقتا, ونطلب من الحكومة الفرنسية ان تضع في تصرفنا في الايام المقبلة طائرة لشركة رسمية للتعويض عن هذه الاهانة) . وقد نفى مساعد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية برنار فاليرو ان تكون الحكومة الفرنسية مارست اي ضغط, مذكرا بأن المسألة مجرد (مبادرة خاصة) . واضاف فاليرو (اننا على استعداد في اي وقت للتقدم بطلب من لجنة العقوبات التابعة للامم المتحدة ما ان يزودنا منظمو الرحلة بالوثائق المطلوبة) , وخصوصا خطة سير الرحلة. يذكر ان فرنسا, وعلى غرار روسيا والصين, تعتبر ان قرارات الامم المتحدة الصادرة ضد العراق لا تفرض حظرا جويا وان مجرد تبليغ بسيط بأن الرحلات لا تقوم بنشاطات مالية او تجارية مع العراق يكفي اذن للسماح باقلاعها. وكانت طائرة فرنسية خاصة استأجرتها جمعية اخرى وعلى متنها 75 راكبا بينهم اطباء, توجهت دون مشاكل الجمعة الماضي من باريس الى بغداد, ما اثار انتقادات واشنطن. وتعتبر الولايات المتحدة انه ينبغي على هذه الرحلات ـ التي تزداد منذ اشهر عدة بمبادرة من دول مثل روسيا وانما ايضا من دول عربية ـ ان تحصل على اذن خاص من لجنة العقوبات. وتأمل باريس في التوصل الى اتفاق داخل لجنة العقوبات حول السياسة المفترض اتباعها ازاء الرحلات التي تزداد باتجاه بغداد, ولكن المواقف تبقى متباينة حتى الان. اما فيما يتعلق برحلة أمس ـ التي اطلق عليها اسم (طائرة من اجل العراق) ـ فيبدو ان الغاءها ناجم قبل اي شيء عن نقص التحضير لها من قبل المنظمات غير الحكومية التي تنظمها. واعلن دبلوماسي فرنسي سابق سيشارك في الرحلة من باريس الى بغداد ويؤيد رفع الحظر المفروض على العراق لوكالة فرانس برس (انها الفوضى في جانب المنظمات غير الحكومية, والبعض في وزارة الخارجية الفرنسية يستفيدون منها) . وتحمل هذه الرحلة الانسانية ايضا هدفا سياسيا معلنا ـ كسر الحظر الجوي المفروض ـ, كما تشهد على ذلك مشاركة مئة شخصية فرنسية واوروبية. وبين المشاركين القادمين من مختلف الجهات, برلمانيون مثل الفرنسية روزلين باشيلو (التجمع من اجل الجمهورية, ديجولية جديدة) والبريطاني جورج جالوواي (عمالي) ومسئولان انسانيان سابقان في الامم المتحدة كانا يعملان في العراق, الايرلندي دنيس هاليداي والالماني هانس فون سبونيك, والوزير الفرنسي السابق كلود شيسون. وقد حظيت هذه الرحلة التي انطلقت منذ شهرين بتأييد واسع وحصلت خصوصا على دعم ثلاثة من حملة جائزة نوبل للسلام. الوكالات