يتم التعامل, غالباً, مع اسعار النفط باعتبارها قضية بين منتجيه والعالم الصناعي. ولكن هناك طرفاً ثالثاً تعد اسعار النفط بالنسبة إليه ذات اهمية حاسمة, على الرغم من ان مصالحه يتم تجاهلها في غالب الاحوال. واقصد بالطبع, الغالبية العظمى من الدول النامية, التي تعد من المستوردين بصورة مطلقة للنفط. فبالنسبة لتلك الدول وعلى العكس من الدول الصناعية, تعد آثار اسعار النفط المرتفعة أكثر قسوة اليوم مما كانت عليه في السبعينيات لأسباب عديدة. لقد توسعت هذه الدول, في السنوات العشرين الماضية, في صناعاتها التي تتطلب استخداماً مكثفاً للطاقة, وزاد تركز سكانها في المدن, وانتقلت من مصادر الطاقة التقليدية غير التجارية الى أنواع الوقود الحديثة, وشهدت توسعاً كبيراً في نطاق امتلاك السيارات. وكنتيجة لذلك فإنها تستخدم ما يزيد على ضعفي ما تستخدمه الدول الصناعية للوصول إلى كل وحدة من المنتجات النهائية. والمجال المتاح أمامها لإحلال مصادر طاقة أخرى محل النفط هو مجال محدود, وكذلك قدرتها التقنية والمالية على ادخال العمليات الأكثر اتساماً بالكفاءة فيما يتعلق بالطاقة. ويشكل النفط جانباً كبيراً من فاتورة واردات هذه الدول, ويمكن ان يسبب اختلالاً في ميزان المدفوعات بالنسبة للكثير منها. واحتياطياتها من العملات الصعبة محدودة, وليس من السهل عليها ان تحصل على تمويل قصير المدى, ومن هنا فإنه حتى الزيادات المؤقتة في اسعار النفط يمكن ان تجبرها على خفض وارداتها من السلع الاخرى, الامر الذي ينجم عنه ان الاستهلاك والاستثمار المحليين ينكمشان بدورهما, ويحتمل أن ترتفع تكاليف خدمة ديونها إذا أفضت اسعار النفط الأكثر ارتفاعاً الى معدلات فائدة دولية أعلى, وتعد تلك ضربات قاسية للدول النامية. وربما تتهاوى آمال تلك الدول النامية التي بدأت لتوها في الانتعاش والخروج من ازمة 1997 المالية. أما الدول التي تكافح في مواجهة التهميش وتأثير الايدز فقد تغوص بشكل أعمق في حمأة اليأس, وكالمعتاد فإن الناس الأكثر فقراً في الدول الفقيرة هم الذين سيتعرضون لتحمل العبء الأكبر مع ارتفاع أسعار الوقود والغذاء والنقل الى ما يتجاوز قدراتهم. ومعظم الدول المصدرة للنفط هي, بالطبع, دول نامية بدورها. وبالنسبة لها فإن ارتفاع أسعاره, يأتي كتطور يلقى الترحيب, على الأقل في المدى القصير, حيث يكفل تخفيف العبء عنها الذي وقع على كاهلها من جراء الضغوط المالية الأخيرة, وهي تذهب الى القول, على نحو يواكبه بعض الانصاف, ان الزيادات في اسعار النفط يسببها ارتفاع الطلب وليس تراخي العرض. قد قامت اوبك مرتين مؤخراً, بزيادة عرض النفط, من دون ان يترك ذلك كبير أثر على الأسعار. ولكن تجارب السبعينيات والثمانينيات تشير الى أن اسعار النفط لا يحتمل ان تظل فوق التيار المتوسط لمدة طويلة للغاية, ذلك ان التأثير على القطاعات الأخرى في الاقتصاد وعلى رفاه المستهلكين من شأنه أن يبطىء دوران عجلة النشاط الاقتصادي, بل ان هذا افضى في الماضي الى الركود, واذا حدث من جديد فإن التأثيرات التي ستنجم عنه ستكون سيئة للجميع, بما في ذلك الدول المنتجة للنفط, وكذلك فإن الدول النامية التي تعتمد على الصادرات وعلى الرخاء العالمي لتحقيق املها الوحيد في النمو ستعاني أشد المعاناة. ومن الجلي ان الأمم المتحدة ليست الطرف المنوط به ان يحدد ما ينبغي ان تكون عليه اسعار النفط, ولكنني سأطرح ملاحظتين محددتين. أولا: هناك حاجة ماسة الى توازن ثابت ومنصف بين مصالح منتجي النفط ومستهلكيه. والتقلبات الكبيرة في الاسعار ضارة بالطرفين كليهما. ثانيا, وهو الأمر الأكثر أهمية, ان مصالح الدول النامية غير المنتجة للنفط ينبغي ألا تنسى. وإذا توقع منها أن تدفع أسعاراً أعلى للنفط فإن حاجتها الى المعاملة الأكثر سماحة التي وعدت بها في قمة الألفية الأخيرة ـ أسواق اكثر انفتاحاً أمام سلعها, المزيد من الاعفاءات من الديون, المزيد من الموارد للتنمية ـ ستكون اعظم من أي وقت مضى. وهناك التزام متبادل من أجل عالم أكثر رخاء. بمن في ذلك اولئك الذين يستفيدون من أسعار النفط الأكثر ارتفاعاً للقيام بالمزيد من الجهد لمساعدة الدول النامية. خدمة (لوس انجلوس تايمز) خاص لـ (البيان)