في أكبر تجمع لزعماء العالم افتتحت في نيويورك امس قمة الألفية بحضور أكثر من 150 زعيماً لوضع الاسس لمواجهة تحديات الاجيال القادمة, والتي ستصدرها في الوثيقة الختامية مركزة على اقرار الديمقراطية والمساواة ومحاربة الفقر واجتثاث الحروب وتحقيق السلام والعدل والالتزام بمبادىء الكرامة الانسانية وميثاق الامم المتحدة وتدعيم سياسة القانون والتعامل مع العولمة. وقد حث الرئيس الامريكي بيل كلينتون في كلمته بعد افتتاح القمة قادة بلدان العالم على الارتقاء للروح الحقيقية التي تم بموجبها تأسيس الأمم المتحدة قبل نصف قرن لانقاذ الاجيال العالمية القادمة من مخاطر الحروب, وقد تتالت بعده كلمات الرؤساء والوفود المشاركة في القمة, وفي مقدمتها كلمات الامير عبدالله ولي العهد السعودي والرئيس اليمني علي عبدالله صالح والرئيس الفرنسي جاك شيراك والرئىس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الايراني محمد خاتمي وممثل سلطنة عمان اضافة الى كلمة الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان. وقال كلينتون امام حشد قد يكون غير مسبوق فى تاريخ المنظمة الدولية (ان الاشخاص المجتمعين هنا يمتلكون القوة لخلق السلام اكثر من اي تجمع مضى في تاريخ العالم.. فهل سنستغل المناسبة؟) . واضاف قائلا ان هناك اوقات يتوجب فيها على المجتمع الدولى اتخاذ موقف, لا الوقوف بين المواقف فعندما يجتمع الخير والشر سويا يمكن حتى لمن ليس له يدان ان يكون حليفا للشيطان. وكان كلينتون يشير بذلك الى مفهوم صنع السلام الذى يختلف كثيرا عن مفهوم حفظ السلام الذى كان المحور الاساسى لعمليات حفظ السلام التى تقوم بها الامم المتحدة حول العالم. وقال كلينتون ان الامم المتحدة واجهت اختبارا جديا ونجحت فيه عندما عاد الرئيس الصربى سلوبودان ميلوسيفيتش لسياسة التطهير العرقى فى يوغسلافيا وان المجتمع الدولى نجح مرة اخرى فى مجابهة العراق فى اشارة لطرد الصرب من كوسوفو والعراقيين من الكويت. واكد ان الامم المتحدة اقرت بعدالة ما يتوجب على العراق عمله وهو ما يجب فرضه حتى لا تكون مصداقية الامم المتحدة فى خطر. وتطرق الرئيس الامريكى فى كلمته لعملية السلام المتعثرة فى الشرق الاوسط بقوله (ان على العالم مساعدة الاسرائيليين والفلسطينيين للقبول بالمخاطرة من اجل السلام مع وجود رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلى ايهود باراك بين الحضور) . وجدد الرئيس الامريكى موقف حكومته المؤيد لسياسات التدخل فى المناطق المتوترة لحماية حقوق الانسان ووقف الصراعات ووصفه بانه يتماشى مع القرارات الدولية التى اكد على اهمية تنفيذها. واوضح انه رغم الحد الذى حققه العالم فى نشوب الصراعات والحروب الاقليمية الا ان الصراعات العرقية والاهلية الداخلية للدول تفشت وتزايدت بل واسفرت فى الآونة الاخيرة عن ازهاق ارواح ما يزيد على خمسة ملايين من البشر. وقال كلينتون انه فى الوقت الذى يجب فيه ان تحترم السيادة الاقليمية للدول الا اننا فى نفس الوقت نؤيد حماية السلامة البشرية والنفوس الانسانية وحقوقها مشيرا الى ان العالم اجتاز مثل هذه الاختبارات فى جمهورية يوغسلافيا والعراق. وعلى صعيد اخر اعتبر الرئيس الامريكى التقارب الايجابى الذى حققته العولمة وتكنولوجيا المعلومات الحديثة بين الشعوب والدول مهما للتعرف على مايجرى فى كل بلد. وقال كلينتون: (إننا بحاجة إلى آلية أفضل لضمان سرعة نشر جنود حفظ السلام التابعين للامم المتحدة وتدريبهم التدريب المناسب) . ورغم أن الولايات المتحدة مازال عليها متأخرات من حصتها في ميزانية الامم المتحدة بعد أن رفض الكونجرس سداد بعض تلك المساهمات, فقد أكد كلينتون مجددا التزام بلاده بالامم المتحدة. وقال: (يتعين على جميع الدول بما فيها دولتنا الوفاء بالتزاماتها تجاه الامم المتحدة.. ويتعين على أولئك القادرين على زيادة دعمهم (للمنظمة), القيام بذلك) . واستطرد قائلا (إن باستطاعة القادة المجتمعين هناك إعادة كتابة تاريخ البشرية في الالفية الجديدة) . وكان عنان قد افتتح القمة بتوجيه نداء مؤثر للزعماء المشاركين وبعد ان خص بالذكر موظفي المفوضية العليا الثلاثة الذين احرقوا احياء امس على ايدي عناصر مسلحة موالية لاندونيسيا في اتامبوا في تيمور الغربية دعا الامين العام للامم المتحدة الى احترام دولة القانون وتعزيز الامم المتحدة في وقت اصبحت فيه المشاكل شاملة. وقال (نحن هنا لتعزيز هذه الهيئة الكبيرة التي اسست قبل 55 عاما في خضم الحرب وتكييفها لتتمكن من القيام بما تنتظره منها الشعوب في عهد جديد, عهد يجب ان تسود فيه دولة القانون) . واوضح في القاعة التي تنعقد فيها الجمعية العامة ان القمة التي تستمر ثلاثة ايام (حدث فريد ومناسبة فريدة وبالتالي مسئولية واحدة) . واكد ان الشعوب تتوقع من قادتها العمل معا للتصدي للتحديات التي باتت اكثر شمولية. ودعاهم الى اخذ توصياته في الاعتبار لتعزيز دور الامم المتحدة في عمليات حفظ السلام لانقاذ الشعوب (من ويلات الحرب) . واضاف (لم يجتمع مثل هذا العدد من القادة من الامم في جمعية واحدة في اي وقت من الاوقات) . كما دعا عنان الذي تحدث ايضا بالفرنسية الرؤساء الى (تحسين حياة كل فرد اينما كان) بتحديد اهداف لخفض مستوى الفقر ومكافحة الايدز. وقال الامين العام (انني اطلب منكم عدم الاكتفاء بالنوايا وان يحول اعلانكم الى افعال والتحقق من انه سيطبق كليا لاحقا) . من جانبه دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك الى سن قوانين تتيح تأسيس (مجتمع دولي جديد اكثر تحضرا وتضامنا وعدلا وانضباطا) . وقال شيراك في كلمته امام قمة الالفية ان هناك (عالما غنيا بالوعود والانجازات العظيمة لكنه يوجد في الوقت نفسه استثناءات جديدة وهو بحاجة الى قوانين ومبادئ وطموحات مشتركة) . واقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي التقى كلينتون عقد مؤتمر دولي في موسكو العام المقبل وصولا إلى معاهدة بشأن نزع سلاح الفضاء الخارجي وتحديث الأمم المتحدة. وقال بوتين في قمة الالفية في أول خطاب يلقيه على مسامع الامم المتحدة منذ انتخابه الربيع الماضي, ان التخلص من الاسلحة النووية والاضطلاع (بنزع حقيقي للسلاح) يعد أولوية بالنسبة للمجتمع الدولي. من جهته طالب الرئيس الايراني محمد خاتمي امام قمة الالفية بان تعامل كل الامم على قدم المساواة في اشارة واضحة لهيمنة الولايات المتحدة. ودعا خاتمي الى اقامة علاقات دولية تستند الى اساس الحوار بدلا من القوة. وقال الرئيس الايراني (انني اعلن امام هذه الجمعية انه لم يعد بوسع الامم ان تكون مهمشة او مستبعدة تحت ذرائع سياسية ثقافية او اقتصادية) . وفي كلمتها أمام القمة والتي ألقاها الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد أكدت المملكة العربية السعودية ان ميثاق الأمم المتحدة الذي ينص على التسامح وحسن الجوار متناقض مع ما يحدث على أرض فلسطين التي تتعرض لعدوان واحتلال, اضافة إلى صراع قارب الخمسين عاما لاسترجاع حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة ومقدساته التي انتهكت وهو السؤال الذي نشأ نتيجة لقرار من الأمم المتحدة. من جانبها أعربت السلطة في كلمتها التي ألقاها فيصل بن علي وزير التراث القومي والثقافة العماني عن تأييدها للجهود المبذولة من أجل اصلاح هيكل الأمم المتحدة وبالذات في مجلس الأمن من خلال زيادة أعضائه ليحقق تمثيلا جغرافيا عادلا ويعبر عن طموحات الشعوب وتطلعاتها.. وأكدت ان الأمم المتحدة ستظل دوما الشجرة وارفة الظلال تستظل بفيئها الدول وتجني ثمارها الشعوب مباركة لكل جهد جماعي لتعزيز الأمن والاستقرار في العالم. وأكد الرئيس اليمنى علي عبدالله صالح مجددا ان السلام الشامل والعادل فى منطقة الشرق الاوسط لن يتحقق سوى من خلال الانسحاب الاسرائيلى الكامل من الاراضى العربية المحتلة عام 1967 والاقرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وفى مقدمة ذلك اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس طبقا لقرارات الشرعية الدولية وخاصة 242 و 338. وقال الرئيس اليمنى فى كلمته أمس امام قمة الالفية ان هناك شعوبا لا تتمتع بحريتها واستقلالها مثل الشعب الفلسطينى الذى لا يزال يرزح تحت وطأة الاحتلال الاسرائيلى. ويعتزم قادة دول العالم توقيع اتفاقات وبروتوكولات أثناء وجودهم في نيويورك وذلك كجزء من البروتوكول الروتيني. وقد فعل قادة بعض الدول ذلك بالفعل أمس حيث وقعوا على اتفاقية تؤكد بصورة خاصة على حظر تجنيد الأطفال في الجيوش. الوكالات