ربما تتباين الرؤى إزاء قراءة الانتخابات اللبنانية لكن الثابت امام كل الناظرين انها كانت انتخابات لبنانية صرفة تعبر عن واقع لبناني قح. واكثر ما يميز انتخابات لبنان انها كانت منافسة ديمقراطية مفتوحة وشرسة وهي في الوقت نفسه لم تزد عن كونها معركة لبنانية تقليدية بأدوات عصرية ووجوه شابة. لكن ذلك لا يقلل من قيمتها باعتبارها الممارسة الأكثر ديمقراطية ونزاهة على صعيد الوطن العربي بأسره. حتى ما افتضح من سوءاتها يحسب لشفافية التجربة اللبنانية. كانت لبنانية قحة إذ إن الجيل الجديد لأمراء الطوائف استخدم ادوات عصرية لممارسة (لعبة الالغاء) واشتبك في تحالفات ثنائية ومواجهات فردية بكل الاسلحة المتاحة والممكنة باستثناء السلاح الناري التقليدي. حتى المتمترسين في مواقع رسمية لم يتوانوا عن استغلال بعض من اسلحة الدولة وأدواتها. كانت انتخابات لبنانية قحة غابت عنها البنى الحزبية ومن ثم البرامج السياسية وحضرت العصبية اللبنانية التقليدية والكريزما الشخصية. حين تغيب الاطر السياسية المعروفة التي تشكل مقومات الممارسة الديمقراطية من الطبيعي ان تعتمد ماكينة الانتخابات على وقود من نوع آخر. الماكينة اللبنانية اعتمدت على انتاجها المستغرق في محليته. وفي غياب الشروط التقليدية للعبة الديمقراطية تصبح قراءة نتائج الانتخابات مهمة عسيرة غير انها ليست مستحيلة في الواقع. لكن الانجراف مع التيار العام دون محاولة بلوغ جذور الظاهرة قد يفضي إلى خلاصات ليست خاطئة فقط وانما تؤدي إلى التهلكة ومن ثم لابد من التروي وتأمل نتائج الانتخابات اللبنانية على مهل. ثمة مؤشرات بالغة الاهمية إذ أنها تنم عن جرأة في التعبير عن منعطف لبناني جديد. الجولة الاولى في الجبل والشمال كشفت عن حس سياسي شفاف لدى وليد جنبلاط استطاع ان ينفذ إلى تطلعات الناخبين وامانيهم. (وثيقة المختارة) عبرت عن رغبة اللبنانيين في عبور جراح الحرب الاهلية القذرة, كذلك كان تأكيد جنبلاط على سيادة لبنان وقرارها الوطني امنية شعبية عريضة. تنصيب الحريري زعيماً سنيا في بيروت وهو القادم من صيدا مؤشر آخر بالغ الجرأة ولكن إلى اي مدى يمكن الذهاب في القراءة لجهة تجاوز اللبنانيين الجهوية على طريق التنصل من النعرات الطائفية؟ المؤشران السابقان يمكن تبنيهما كمفردات لبنانية حديثة في التعبير عن روح تتوق لاستكمال (الوفاق الوطني) بمنهج يتميز بالتسامح والجرأة أو لنقل انها روح تعبر عن استكمال (ميثاق الطائف) لتحقيق (وفاق وطني) حقيقي. من هنا يتحمل أمراء الانتخابات اللبنانية الجدد تبني هذه اللغة الجديدة من اجل ترجمة الرغبات الشعبية الفعلية ورسم خارطة سياسية تتجاوز التحالفات الضيقة التي تنصب طموحاتها على المقاعد الوزارية وتعزيز المواقع الذاتية وتكريس العصبية التقليدية. امام الفائزين في الانتخابات مهمة وطنية ملحة تتمثل في صياغة واقع لبناني جديد في ضوء النتائج التي حملتهم إلى البرلمان ولابد لهم من استلهام روح وطموحات الناخبين حين يعمدون إلى صياغة برنامج للواقع اللبناني الجديد, يتجاوز التحالفات العصبية التي تستهدف ممارسة لعبة الالغاء والتصفية, ذلك هو التحدي الوطني امام رفيق الحريري وحلفائه. وربما كان الحريري مطالبا اكثر من غيره بالهروب إلى الامام من المأزق الحالي إذ سيرتكب خطيئة قاتلة فيما لو فتح نافذة امام التجاذب المحتمل مع رئيس الجمهورية, فقد يفيد الحريري كثيرا بعد تنصيبه زعيما بيروتيا ان يضع نفسه لبنانيا فوق رئاسة الحكومة في هذا المنعطف اللبناني, وسيكسب الحريري شعبية اوسع ويزيد زعامته عمقا فيما لو رشح احد الوجوه المقبولة من لائحته لرئاسة الحكومة المرتقبة, فمعركة الفائزين في انتخابات لبنان تبدأ بإعلان النتيجة النهائية الرسمية اذ انهم خرجوا من الجهاد الوطني الاصغر إلى الجهاد الاكبر. كتب المحرر السياسي