كارثة (كورسك) تفضح أزمة عميقة ومستحكمة داخل النظام الروسي باكمله بصورة تفقد المواطن العادي ثقته على نحو مروع في دولته. الفضيحة لم تعد قاصرة على تدني اداء سلاح البحرية الذي غرقت هيبته امام انظار العالم قاطبة مع الغواصة. الارتباك الفاضح الذي واجهت به القيادة العسكرية الكارثة منذ البدء يكشف بوضوح العجز الفادح داخل المؤسسة العسكرية لدولة تحسب نفسها عظمى. الاخطر من ذلك على المواطن يتمثل في الانيميا السياسية التي تنخر في هيكل النظام الروسي واجهزته كما بدت حالة النظام عارية في ظل الازمة. فقد بدت الدولة الروسية بأسرها وكأنها مصابة بدوران البحر ازاء كارثة الغواصة. فالقيادة السياسية فقدت سمة اساسية تنم عن سلامة قدراتها ومواهبها وهي مواكبة ايقاع الحدث. فعلى نقيض ذلك لم تستطع القيادة السياسية تبني مجرد الظهور المناسب في الوقت المناسب والمكان الملائم دع عنك قدرة التقاط المبادرة للمعالجة. القيادة العسكرية تباطأت ازاء معالجة الازمة إذ هي لم تكشف عن وقوع الكارثة الا بعد يومين, ربما دفعها ادراكها لحقيقة عجزها إلى ذلك المأزق. غير ان ترددها ازاء قبول العروض الغربية للمساهمة في محاولة الانقاذ يكشف عقلية متخلفة لاتزال تقبض على المؤسسة العسكرية الروسية وقد عبرت هذه العقلية عن غبائها حين بررت رفض العروض الغربية بالحفاظ على اسرارها الامنية ثم حين اضطرت مجبرة لقبول العروض بعد فوات الأوان. فلم تحافظ على اسرارها الامنية واخفقت في انقاذ بحارتها. تلكؤ القيادة السياسية زاد تباطؤ العسكر قتامة وبدا المشهد الروسي مثيرا للشفقة باداء الجهاز الاعلامي الباهت الى درجة الاسفاف. الدولة الروسية بأسرها باتت خارج العصر. فالنظام لم يفقد الحركة على الصعيد السياسي فقط وانما غلبت عليه بلادة المشاعر من الناحية الانسانية كذلك. ربما كان من اللائق ان تتحرك القيادة السياسية وسط هالة اعلامية وتقترب من موقع الكارثة ومن عائلات الضحايا حتى يحس المواطن بان الدولة قريبة منه. غير ان القيادة الروسية السياسية اخفقت في التعبير عن نفسها بلغة عصرية وتقديم نفسها في اطار حضاري بات شرطا ضروريا للنظام السياسي في كل الاقطار. اخطر الآثار السلبية التي كشفت عنها كارثة كورسك تتجسد في ازمة الثقة بين المواطن والنظام التي تعمقت عبر السلوك الجماعي لقيادة الدولة واجهزتها تجاه معالجة الازمة. فالنظام بأسره اتسم باداء مترهل في البطء, وتجذير قيمة المواطن. فاستمرار الرئيس في قضاء عطلته الصيفية على البحر الاسود جنوبا كان يعبر عن الهوة التي تفصل بين رأس النظام وحطام الكارثة الانسانية في بحر بارنتس في اقصى الشمال, ايا كانت التقارير التي تصل إلى بوتين في مصيفه فان عدم قطع الرئيس عطلته ولو في رحلة مروحية إلى موقع الحادث يعكس جوانب في شخصية الرئيس لا يمكن قصرها على عقلانيته. النظرة الموضوعية ليست قاصرة على 118 جنديا يرقدون في المجهول وسط حطام على عمق 100 متر في قاع البحر وانما تشمل كذلك عائلات هؤلاء الضحايا بل تذهب ابعد من ذلك إلى ملايين الجنود الذين يرغبون في الاطمئنان إلى اهتمام الدولة بهم اذا ما تعرضوا إلى مصائب من هذا القبيل وهو امر وارد في الجندية بل تمضي النظرة الموضوعية ابعد من ذلك لتشمل ملايين من عائلات واقرباء الجنود الذين يهمهم كذلك الاطمئنان إلى مصير ابنائهم وقدرة دولتهم. تباطؤ الآلة الاعلامية الروسية ازاء الكشف عن غرق الغواصة ثم حجب المعلومات وعجزها عن التعامل مع عائلات الجنود المفقودين يعري هو الاخر الانيميا السياسية للنظام الروسي. فمن المؤكد ان مقارنة ظالمة ومجحفة برزت إلى مخيلات كل الروس وهم يشاهدون خفوت الكارثة في الاعلام الروسي مع استعادة دراما فردية مضخمة اعلاميا وسط حضور سياسي رفيع في عواصم غربية والامثال على ذلك لا حصر لها. كل التحركات الروسية التي اعقبت مرور اسبوع على الكارثة كانت محاولة يائسة لمعالجة قصور النظام ازاء الازمة في سبيل انقاذ ما يمكن انقاذه من هيبة الدولة اكثر من كونها تحركا لانقاذ جنود الغواصة اذ ادركت القيادة في وقت مبكر مصرع أولئك البحارة, فبعد الاخفاق في انقاذ البحارة أو الحفاظ على الاسرار الامنية تبذل القيادة محاولات بائسة لانقاذ هيبة النظام الغارق في الفضيحة. كتب المحرر السياسي