أقرت موسكو أمس بأن وضع الغواصة النووية الروسية (كورسك) القابعة في قاع البحر ينذر بوقوع كارثة وذلك في الوقت الذي يواجه فيه طاقمها الموت البطيء اختناقاً بعد فشل ست عمليات للانقاذ امس اظهرت جميعها الوضع المزري للاسطول الروسي. وقال مصدر دفاعي بريطاني ان 70% من طاقم الغواصة لقوا حتفهم. واعترف رئيس الوزراء الروسي ميخائيل كاسيانوف قبيل اجتماع مجلس الوزراء بمأساوية وضع الغواصة داعياً في الوقت نفسه الى التسلح بالأمل (طالع ص 23) واعلنت واشنطن انها لم تتلق اي استجابة من موسكو بشأن العرض الذي قدمه وزير الدفاع وليم كوهين لتقديم مساعدة فنية في عمليات الانقاذ. وقال تلفزيون (ار.تي.ار.) الحكومي الروسي في اول تقرير من سفينة انقاذ على مقربة من الغواصة المعطوبة ان بعض افراد الطاقم ربما يكونون قد لاقوا حتفهم عند هبوط الغواصة الى القاع. وقال مراسل للتلفزيون ان فيلما التقطته كبسولة انقاذ اظهر ان الغواصة كورسك اصيبت بأضرار شديدة في مقدمتها واضاف انه لا بد ان بعض افراد الطاقم وعددهم 118 بحارا لاقوا حتفهم في الحادث. وقال المراسل من سفينة انقاذ في بحر بارنتس (يمكننا ان نقول الان ان الغواصة لحقت بها اضرار جسيمة.. اضرار خطيرة للغاية في مقدمتها. وقد اغرق الماء مقدمة الغواصة في لمح البرق ودمر مركز القيادة.. اعني الهيكل في لحظة) . وتابع (هذا نبأ مأسوي اذ عندما تدخل مثل هذه الكمية الكبيرة من الماء الغواصة من المستحيل تجنب وقوع خسائر في الارواح) . ولم يعرض التلفزيون الفيلم. ولم يسمح لوسائل الاعلام بالوصول الى موقع الكارثة حتى تقرير تلفزيون (ار.تي.ار.) . واضاف المراسل انه على الرغم من ذلك فما زال مسئولو الانقاذ يأملون في العثور على بعض الاحياء داخل الغواصة. لكنه وصف الجو المحيط بعملية الانقاذ بانه متوتر بعد ايام من المحاولات الفاشلة منها ست محاولات امس. وسرد المراسل كيفية معرفة موسكو بالحادث فقال ان البحرية الروسية لاحظت مساء السبت ان الغواصة لم تعد ترد على الاتصالات وحددت مكانها ليل الاحد. ونقل التلفزيون عن اميرال الاسطول الروسي الشمالي فياتشسلاف بوبوف قوله ان الغواصة التي كانت تشارك في مناورات لم تعد على اتصال مع القيادة كما كان مرتقبا عند الساعة 23.30 بالتوقيت المحلي (19,30 ت غ). وذكرت الصحف الروسية نقلا عن مصادر عسكرية ان اجهزة السونار التابعة للطراد بيوتر فليكي (بطرس الاكبر) سجلت موجة اصطدام عند الساعة 11.38 صباح السبت. واطلقت صفارة الانذار على الفور ووصل الطراد بطرس الاكبر بسرعة الى مكان تواجد الغواصة كورسك القابعة في قعر بحر بارنتس والتي عرف مكانها بالتحديد عند الساعة 3.21 من فجر الاحد. وقد رسى الطراد ووصلت سفن الاغاثة الاولى الى المكان حوالي الساعة 10,00 من صباح الاحد. وبثت وسائل الاعلام الروسية اولى المعلومات حول اختفاء غواصة نووية صباح الاثنين. في لندن قال المتحدث باسم مجموعة جينز الاعلامية المتخصصة في المسائل الدفاعية بعد مشاهدة فيلم عن فرق الانقاذ الروسية ان 70 في المئة من طاقم الغواصة كورسك المؤلف من 118 شخصا لقوا حتفهم في انفجار الغواصة. واوضح (بحسب معلوماتنا عن حجم الاضرار اعتقد انه من غير المرجح ان يكون كل افراد الطاقم قد نجوا) مضيفا (من الممكن ان يكون بين 30 و40 في المئة من افراد الطاقم نجوا اثر الانفجار اذا كان هذا الانفجار قد دمر الجزأين الاولين) ). في سياق آخر قال الخبراء الطبيون في معهد المشاكل الطبية البيولوجية الروسي في موسكو ان افراد طاقم الغواصة الـ 118 والعالقين على عمق 108 امتار داخلها يواجهون خطر الموت البطيء بسبب الاختناق. ونقلت وكالة (انترفاكس) عن الخبراء قولهم ان البحارة الناجين يمكن ان يواجهوا في الساعات الـ24 المقبلة عوارض انخفاض في كمية الاوكسجين في الدم. وقد قدمت البحرية حتى الان تقديرات متناقضة حول احتياطي الاوكسجين داخل الغواصة حيث قالت تارة انه سينفد اليوم الجمعة ثم قالوا مرة اخرى انه سينفد 26 اغسطس الجاري. ويقول الاطباء ان هذا التفاوت في التقديرات ناجم عن (النقص التام في المعلومات حول عدد الناجين من افراد الطاقم البالغ عددهم 118 عنصرا) . ويعتبر الخبراء ان الشخص البالغ يجب ان يستهلك 420 ليترا على الاقل من الاوكسجين (640 جراما) خلال 24 ساعة على ان تبلغ كمية الزفير 420 ليترا من غاز الكربون (880 جراما) واي خلل في هذه النسبة يؤدي الى نقص في الاوكسجين وبالتالي الاختناق. ويترجم ذلك في مرحلة اولى بردود فعل غير بالغة الخطورة مثل ضيق التنفس وخفقان في القلب وارتفاع عدد الكريات الحمر في الدم. وفي المرحلة الثانية تتطور ردود الفعل هذه لتصل الى حد لا يمكن فيه للانسجة تأمين استهلاك طبيعي للاوكسجين وتتزايد بعد ذلك الحاجة للطاقة حيث يصبح النبض ضعيفا جدا وتبطىء دقات القلب. وفي بعض الاحيان يبدو الوجه شاحبا ويتصبب عرقا باردا. وينجم عن الضيق في الجهاز العصبي الخمول والنعاس واضطرابات في التصرف. وبعد ذلك يفقد ضحايا النقص في الاوكسجين الاحساس والذاكرة فيما تضطرب تحركاتهم. وفي الحالات الاكثر خطورة يمكن رصد عوارض الاغماء او عدم السيطرة على التبول والتبرز. واثر ذلك ينخفض ضغط الدم ويتوقف التنفس وتحصل عندها الوفاة. وفي حال جرى اجلاء الاشخاص في المرحلة الاخيرة للاختناق فيمكن حينئذ انقاذهم بفضل (ضخ اوكسجين بشكل عاجل) اي حقن سائل يحتوي على الاوكسجين في الدم او استخدام انبوبة اوكسجين او الات تنفس خاصة. وخبت الامال امس في انقاذ الطاقم حيث تعثرت جهود الانقاذ المستمرة منذ السبت الماضي. وكانت البحرية الروسية في انتظار وصول الغواصة البريطانية الصغيرة إلى الموقع في بحر بارنتس, وذلك بعد أن أصاب الاحباط فرق الانقاذ بعد ليلة أخرى من الجهود غير المثمرة في جعل مركبات الانقاذ الروسية تلتحم بالغواصة. وقد أبحرت سفينة الشحن نورماند بايونير في الصباح من ميناء تروندهايم النرويجي وعلى متنها الغواصة الصغيرة أل.آر.5 ومعدات إنقاذ أخرى, لتقطع رحلة قدرها 2.400 كيلومتر إلى منطقة القطب الشمالي. ومن غير المتوقع أن تصل سفينة الشحن قبل غد السبت, بعد مضي أسبوع من غرق كورسك. ويخشى في غضون ذلك الوقت أن يكون الاوكسجين في الغواصة الغارقة قد انتهى. كذلك أرسلت النرويج أيضا 12 خبيرا من غواصي الاعماق للمساعدة, ولن يصلوا إلى الموقع قبل الاحد المقبل. وحاول الغواصون الروس دون جدوى ليلة الخميس تركيب كبسولة على جسم الغواصة القابعة في قاع البحر بزاوية حادة, مما يجعل أي عملية التحام للكبسولة الروسية أكثر صعوبة. غير أن الغواصة البريطانية الصغيرة قادرة على الالتحام بغواصات ترقد في زاوية أكثر حدة. و اختتمت مساء امس جلسة المباحثات الثانية بين وفد عسكرى روسى برئاسة اللواء الكسندر بوبوجى نائب رئيس أركان القوات البحرية الذى يزور بروكسل حاليا وأعضاء البعثات العسكرية للدول الاعضاء بحلف شمال الاطلنطى. وقال مصدر مسئول بحلف الاطلنطى فى تصريحات لوكالة أنباء الشرق الاوسط عقب انتهاء المباحثات ان الجانبين تناولا خلال هذه الجلسة الدعم الفنى والاجهزة التى يمكن أن تقدمها كل دولة على حدة لمساعدة روسيا على انقاذ طاقم الغواصة النووية كورسك التى غرقت فى بحر بارنتس الشمالى. في سياق آخر اعتبر الخبراء امس ان المحاولات اليائسة لانقاذ طاقم الغواصة تلقي الضوء على الحالة المزرية التي وصلت اليها البحرية الروسية المحرومة من التمويل والتدريبات. ويشكك الخبراء المستقلون في تصريحات العسكريين الروس الذين ربطوا صعوبات اعمال الانقاذ (بوضع استثنائي) يتمثل بالعواصف والموقع الخاطىء الذي توجد فيه الغواصة معتبرين ان العجز في الموارد التقنية والبشرية يقف وراء هذه الكارثة. وقد اعترفت قيادة البحرية نفسها ان بطاريات كبسولات الانقاذ التي تدعى (بريز) لها قدرة استمرارية تبلغ ساعتين فيما تستغرق عملية الانقاذ في ظروف طبيعية ما بين اربع الى خمس ساعات. واكدت صحيفة (كومسومولسكايا برافدا) امس ان (غواصات الانقاذ مجهزة ببطاريات قديمة لاسباب تتعلق بتوفير الاموال. وكانت (بريز) ستتمكن من الالتحام بالغواصة لكنها اضطرت للعودة الى سطح المياه بشكل طارىء لان بطارياتها قد فرغت) . وافادت الصحيفة انه من المستبعد التمكن من تنفيذ حل نظري اخر يتمثل برفع الغواصة بواسطة عوامات نظرا للوضع السيىء للمحركات وعدم وجود غطاسين محترفين يمكن ان يثبتوها بالغواصة. وكتبت صحيفة (كوميرسانت) ان (الاسطول الروسي يملك عوامات بحجم مناسب لكن نادرا ما يستخدمها ويمكن ان نفترض ان حالتها لن تكون مثالية) بالاضافة الى ان (التدريبات على تثبيتها لم تنظم منذ فترة طويلة بسبب النقص في الاموال) . ونقلت صحيفة (سيجدونيا) عن الاميرال جورجي كوستيف المسئول السابق في هيئة الاركان الروسية قوله (لقد جرى هدر الامكانات التقنية والخبرة. ان البحرية الروسية لم تعد قادرة على استغلال اسطول الغواصات النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي السابق) . اما الخبير في وكالة الانباء العسكرية (اي في ان) فلاديمير اوربان فقال انه (لم يتم بناء اي سفينة جديدة خلال السنوات الماضية في حين ان بعض السفن لم تبحر منذ عامين او ثلاثة اعوام بسبب النقص في الوقود) . وتفيد الارقام الاخيرة لقيادة الاسطول الروسي التي تعود الى ديسمبر الماضي ان الاموال التي صرفت في السنوات العشر الاخيرة لاصلاح وصيانة السفن العسكرية الروسية تمثل ما بين 8 الى 10% من الاحتياجات الفعلية. واضاف المصدر نفسه ان البحرية الحربية السوفييتية ولاحقا الروسية خفضت بمعدل الف سفينة على مدى 10 سنوات بسبب النقص في الاموال لصيانتها وابقائها في وضع جيد. ويقوم بعض مشاة البحرية ببيع المعدات العسكرية للتمكن من كسب عيشهم. وتشكك الصحافة في ان تكون كورسك مجهزة ببطاريات لتوليد الطاقة وانتاج الاوكسجين وهو ما يقلل من فرص نجاة الطاقم. ومن المحتمل ان تكون هذه البطاريات التي تحتوي على معادن ثمينة قد بيعت لشبكات سكك الحديد او ان تكون الغواصة غير مجهزة بها لاسباب مالية. ويشار الى ان النيابة العامة العسكرية وجهت اتهامات في نوفمبر الماضي الى اميرال وعدد من المسئولين الكبار في الاسطول الروسي في المحيط الهادىء لقيامهم بتأجير او بيع سفن حربية لحسابهم الخاص. والوضع النفسي للبحارة الروس ايضا مثير للقلق. فقد انتحر خمسة من مشاة البحرية التابعين لاسطول المحيط الهادىء هذا الصيف خلال فترة ستة اشهر بسبب الاحباط فيما تضاعف معدل استهلاك المخدرات تقريبا خلال السنوات الماضية على حد قول قيادة الاركان. ـ الوكالات