جولات المفاوضات المكثفة في كامب ديفيد لم تنجح في الوفاء بأي من استحقاقات المرحلة النهائية الفلسطينية. المأزق الذي دفع باراك وعرفات الى كامب ديفيد لا يزال مستحكما, فالرئيس الفلسطيني يواجه ضغوطا مزدوجة من الوراء كما الامام ازاء اعلان الدولة في اوان استحقاقها. لكن من غير المنطقي القول ان محادثات القمة التي دارت على مدى اسبوعين لم تحقق نتائج يمكن تصنيفها ايجابا. المسألة ليست قاصرة فقط على تأكيد الفشل الذي اعتبره الجميع شاهدا على صمود المفاوضين امام الضغوط والاغراء وتمسك كل جانب بثوابته وخطوطه الحمراء. فهناك دلائل حقيقية على ان النقاش في كامب ديفيد توغل بالفعل في قضايا كانت تبدو قبل ذلك ضربا من (التابو) غير قابلة للتداول السياسي وليس كذلك المساومة. يمكن الذهاب ابعد من ذلك لجهة حصر الايجابيات واعتبار محادثات كامب ديفيد اول مفاوضات تنهض على مستوى الندية بين الفلسطينيين والاسرائيليين, فمحادثات اوسلو ـ وفقا لنتائجها ـ كانت (مونولوجاً) اسرائيلياً اي ان الاسرائيليين كانوا يفاوضون انفسهم واقناع الذات بالتنازلات الممكنة فيما اكتفى الجانب الفلسطيني بدور المتلقي واعتبار كل تنازل مقدم مكسبا يرقى الى درجة الانتصار. الندية في كامب ديفيد لم تستند الى موازين القوة وموازاتها لدى الجانبين وانما وفرتها اهمية القضايا والمحاور المطروحة على طاولة المفاوضات, فالحلول هذه المرة لا تتطلب تنازلات هامشية كما جرت العادة وانما تمس جوهر المقدسات الدينية والوطنية والثقافية اي انها تتعلق بالهوية الحقيقية لكل طرف. فالقدس ليست مدينة عادية يكون الجدل حولها قاصرا على المعايير الجيوبوليتيكية وانما تندرج في ملفها ابعاد عقائدية مقدسة لدى الطرفين. فالعاصمة التوراتية لاسرائيل كانت احدى (لاءات) باراك الخمس بل اكبرها وأكثرها استعصاء على المقاربة ولكن القدس نفسها شكلت اكثر المحاور التي استنزفت المفاوضين في كامب ديفيد. بهذا الفهم يكون باراك بدا مستعدا لذبح ابقار اسرائيل المقدسة. ربما كان يعلم جيدا ان التوقيت غير ملائم لإعمال المدية, فالخلفية السياسية التي يستند اليها باراك كانت ستسهل عملية ذبحه بأيدي خصومه الذين يتربصون به داخل الكيان الاسرائيلي, تلك مكايدة سياسية تأتي في سياق التحالفات الحزبية الهشة والمتصدعة لائتلاف باراك. وباراك ليس استثناء فهناك ادلة متعددة تؤشر لاستعدادات اسرائيلية لجهة تقديم تنازلات خاصة بالقدس, فبيلين اكد علنا ان الاحتفاظ بالقدس الموحدة بات خارج المنطق السياسي المعاصر. وبيلين انموذج آخر للاسرائيلي الذي يعلم تماما ان مطلب اسرائيل الملح في هذه المرحلة هو الأمن ويدرك في الوقت نفسه ان هذه الغاية لا يمكن بلوغها دون الاعتراف بحقائق الجوار التي تفرض نفسها (ثوابت) ليس من الممكن تجاوزها. من المؤكد ان باراك قدم تنازلات في كامب ديفيد وهو يعمد الي تفكيك (لاءاته) وتجاوز (خطوطه الحمراء) كما انه من الثابت ان الرفض الفلسطيني لتنازلات باراك لا يعني ان عرفات لم يقدم عروضا مماثلة ويتجاوز (خطوطا حمراء) فلسطينية كلاهما قدم تنازلات وتركاها على طاولة المفاوضات على امل استئناف الحوار من عندها في الجولة المقبلة والا لم تكن هذه العودة العجولة لمواصلة المحادثات , عرفات مثل باراك لا يملك المعدة السياسية التي تؤهله لابتلاع تنازلات باراك او الجرأة التي تجعله قادرا على كشف تنازلاته فقد كان يدرك ان عودته دون اتفاق افضل لصحته السياسية من الرجوع بأي اتفاق. ليس حجم التنازلات هو الذي يمنح ـ واقع الامر ـ كامب ديفيد اهميته التاريخية ولكن تبادل التنازلات هو العنصر الحاسم الذي يكسب القمة الثلاثية ثقلها الجوهري فالتنازلات المتبادلة تعكس قناعة حتمية دونها يصبح السلام مستحيلا. تبادل التنازلات في كامب ديفيد يصدر عن قناعة بالتعايش الجيوبوليتيكي وهذه القناعة اذا ترسخت وحدها ستفكك جميع اللاءات و (التابو هات) . لم يكن من الممكن بلوغ افضل من ذلك في كامب ديفيد فالرهان على نتائج اعلى من ذلك اشبه بالمقامرة داخل حانة امريكية على طريقة رعاة البقر, لا بد من قاتل وقتيل في نهاية اللعبة. كتب عمر العمر