فشل كامب ديفيد يشكل نجاحاً حقيقياً لكل من عرفات وباراك واخفاقاً غير فادح لكلينتون. كل الظروف التي احاطت بالقمة لا تهيىء تحقيق اختراق جوهري. الملفات المطروحة على مائدة المفاوضات تمثل محاور عصية على التسوية في معسكر مفاوضات واحد مهما كانت كثافة جولاته. فطي اي من الملفات يعني إزاحة عقبة كأْداء امام السلام الدائم في المنطقة. الاكثر تعقيداً من ملفات التفاوض موقف الجانبين المتفاوضين. فالمفاوضان الفلسطيني والاسرائيلي يتواجهان في كامب ديفيد وكل منهما مكشوف الظهر وعار من سند حقيقي يؤهله لتقديم أو قبول تنازلات ازاء المحاور الساخنة التي تدور حولها المفاوضات. فبالاضافة الى التشققات على الجبهة الفلسطينية فان عرفات يدرك التقاطعات العربية بل والاسلامية التي تتداخل مع محاور التسوية. هذه التجاذبات تجرد عرفات من الحد الادنى من الجدار الذي يمكن ان يسند اليه ظهره في مواجهة خصم يملك الارض والقوة. باراك ذهب الى كامب ديفيد دون الحد الادنى ـ هو الآخر ـ من السند الاسرائيلي الذي يمكن أن يحتمي به في مواجهة خصم يريد انتزاع حقوق مثبتة بالتاريخ والشرعية الدولية. فرئيس الوزراء الاسرائىلي ترك خلفه حكومة متصدعة ومنافسين يتربصون للاجهاز عليه. الطرفان يدركان انه لا سبيل الى السلام الا عبر ابتلاع تنازلات مؤلمة غير ان أياً منهما لا يملك القدرة على محاولة تبهير مثل تلك التنازلات لاغراء قاعدته الشعبية بازدرادها. المأزق المأزوم الذي وجد كل من باراك وعرفات نفسيهما داخله إزاء اقتراب موعد استحقاق اعلان الدولة دفعهما الى كامب ديفيد بحثاً عن مخرج مستحيل. كلاهما كان يدرك مسبقاً أن المفاوضات الماراثونية تتيح فرصة اوسع لاستكشاف مهارات الطرف الآخر على المراوغة لبلوغ الغايات السياسية الآنية وليس اهداف المفاوضات الحقيقية. كما ان الطرفين كانا على قناعة بأنهما سيتعرضان الى قدر من الضغط الامريكي وربما نوع من الاغراء في الوقت نفسه. فشل القمة يعني نجاة الطرفين ـ الفلسطيني والاسرائىلي ـ سالمين من الضغوط والاغراء الامريكيين لكن الاهم من ذلك هو بقاء المحاور بالغة الحساسية على حالها دون المساس بها, أي عدم تقديم أو قبول تنازلات بشأنها. الادارة الامريكية تعتبر الرابح الاكبر ـ بل الوحيد ـ من وراء أي صفقة يتم التوصل اليها في كامب ديفيد. لكن كلينتون يدرك جيداً استحالة بلوغ هذا المكسب وقد بدأ عده التنازلي لمغادرة البيت الأبيض. فالمساومات المتعلقة بمحادثات السلام الشرق اوسطية ليست قاصرة على اطرافها الاقليمية. ومع ذلك فمجرد حشد الفلسطينيين والاسرائىليين في محادثات ماراثونية على هذا النحو يفتح للحزب الديمقراطي واسعاً فرصة المناورة إبان حملة الانتخابات الرئاسية. فثمة إجماع على أن كلينتون مارس ضغوطاً على عرفات وعرض اقتراحات على باراك. والبون شاسع بين الضغط والعرض. العودة من كامب ديفيد مع بقاء الحال على ما هو عليه افضل لعرفات كثيراً من قبول أو تقديم تنازلات ففي فشل المفاوضات اصرار على تمسك عرفات بـ (الثوابت الفلسطينية) . تأجيل اعلان الدولة افضل من التفريط في (الثوابت) فما تم على طريق اعلان الدولة يشكل انجازاً يمكن التباهي به او الاختلاف حوله ولكن التنازل ازاء الثوابت يفرغ الانجاز الذي تحقق من مضمونه. الأسوأ من ذلك انه يمنح الخصوم اوراقاً رابحة. تأجيل حسم القضايا الخلافية لايعني موت القضية. إبقاء مسألة اعلان الدولة ساخنة يعني استمرار الجدل حول قضايا الساعة الفلسطينية. تأجيل قضية القدس يشكل توغلاً في التاريخ أو مراكمة عليه أمام عرفات فرصة واسعة لتوسيع الجدل حول قضايا الساعة الفلسطينية. ليس مطلوباً من جيل واحد حسم جميع القضايا التاريخية. كما جاءت سلطة الحكم الذاتي عبر مخاض دموي فان القضايا العالقة لا تبرأ من الدم بالضرورة. امام باراك فرص عديدة للهروب الى الوراء. فبعد مفاوضات ماراثونية مع عرفات يمكن لرئيس الحكومة الاسرائىلية الرجوع لتجميع اطراف إئتلافه الممزق. لاتزال امام باراك فرصة ادارة ظهره للفلسطينيين مؤقتا والتوجه نحو المسار السوري لممارسة مناورات اخرى. باراك اكثر من عرفات يعلم ان اي صفقة تتم في كامب ديفيد لن تفيد طموحه السياسي استنادا الى تصدع قاعدته الاسرائىلية. الجميع اعتادوا تعليق الامال مع اقتراب نهاية ولاية كل رئيس امريكي بانتظار ساكن البيت الأبيض الجديد. فمن الافضل للجميع ابقاء فرصة الانتظار على اجهاضها. كتب عمر العمر