افتتح الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مساء أمس مفاوضات القمة التاريخية في كامب ديفيد التي تجمع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود باراك التي تهدف لانهاء 52 عاما من الصراع بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وقد رحب كلينتون بكل من عرفات وباراك بعد أن دعا الاثنين لحظة مغادرته لواشنطن إلى كامب ديفيد إلى اظهار روح التسوية الصادقة والمرونة وتقديم تنازلات حقيقية لانجاح القمة والوصول إلى اتفاق يتبلور حول الانسحاب من نحو 90% من الضفة الغربية وقطاع غزة حسب تلميحات باراك الذي اتهم واشنطن بالانحياز إلى الجانب الفلسطيني كاشفا عن تنسيق أمني اسرائيلي عربي لمنع وقوع هجمات خلال القمة. وبدأت القمة في أجواء من المرح وتبادل النكات بين الزعماء الثلاثة قبل أن تتحول إلى أجواء من التكتم والسرية حيث رفض كلينتون الرد على أسئلة الصحفيين واكتفى بالقول (لقد اتفقنا على عدم الرد على أي سؤال) . ورفض كل من عرفات وباراك بلباقة الدخول قبل الآخر وراء كلينتون وهما يبتسمان أمام الكاميرات حتى أرغم باراك عرفات على الدخول قبله وهو يدفعه بمزاح ثم يدخل بعده. وقبل اللقاء الثلاثي اجتمع كلينتون أولا مع عرفات ومن ثم باراك ومن المتوقع أن يقوم كلينتون خلال مدة القمة التي لم تحدد بالتنقل بين مقري عرفات وباراك في مسعى لاقناعهما بالقبول بحل وسط, مستخدما في ذلك قدرته الكبيرة على الاقناع ومستغلا ورقة المعونات الامريكية للجانبين. وكان كلينتون قد صرح قبيل مغادرته البيت الابيض للصحفيين, بقوله: (الزعيمان يواجهان قضايا عميقة وشائكة ولن يتحقق النجاح دون حل وسط مبدئي) . وأضاف: (كلا الزعيمين يستشعر عبء التاريخ ولكنهما يدركان, في اعتقادي, بأن هذه لحظة تاريخية يتعين عليهما اقتناصها) . وقال ان النجاح لن يتم دون تنازلات حقيقية لان طريق السلام طريق ذو اتجاهين واضاف (لقد اثبت الطرفان ان السلام ممكن وانهما عازمان على التوصل اليه. لقد اجتازا نقطة اللاعودة والطريق الوحيد لتحقيق تقدم هو المضي قدما) . واوضح ان عليهما التوصل الى (ايجاد حلول لمطالب متعارضة لكي يقدموا لابنائهم هدية السلام, والامر يحتاج الى صبر وشجاعة وبعد نظر. ويتمتع رئيس الوزراء باراك, مثل الرئيس عرفات, بهذه الصفات) . ووعد الرئيس كلينتون بتقديم دعم واضح ومن دون حدود. وقال في هذا الصدد (سأبذل كل ما في وسعي في الايام المقبلة حتى اتمكن من الايفاء بالوعد) . وطلب من الامريكيين ان يقيموا الصلاة من اجل السلام. وكان باراك وعرفات ومن قبلهما مادلين أولبرايت سبقوا الرئيس الأمريكي إلى منتجع كامب ديفيد بولاية ميريلاند قرب واشنطن. وقد كان باراك أطلق تصريحات على متن الطائرة التي أقلته إلى الولايات المتحدة قال فيها ان الادارة الأمريكية ستقدم اقتراحات للتسوية, مشيرا إلى ان وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد أتاحت لعرفات هامشا أوسع من المناورة في المفاوضات. وأضاف ان المفاوضات ستكون (صعبة لأن المواقف الأمريكية أقرب من مواقف الفلسطينيين منه من مواقفنا) . وكشف ان أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية وضعت في حالة تأهب وتتعاون مع أجهزة الأمن لدى السلطة الفلسطينية وفي الدول العربية المجاورة لاحباط أي هجمات خلال القمة. وقال باراك انه يعتزم في حال التوصل إلى اتفاق طلب مساعدة مالية من الولايات المتحدة. وزير العدل الاسرائيلي يوسي بيلين جزم من جهته بأن القمة ستتمخض عن اتفاق قال انه سيحترم (الخطوط الحمراء) للجانبين. وقال بيلين في مؤتمر صحفي عقده في القدس ان (الوضع كما هو الآن يستحيل معه عمليا عدم التوصل إلى اتفاق نتيجة هذه القمة. وآمل في أن يكون اتفاق - اطار حول السلام بين اسرائيل والفلسطينيين) . وأضاف (بالتأكيد, ما زال ممكنا ألا يحصل ذلك, لكني أعتقد بوجود ارادة في هذا الصدد. الحلول موجودة وأنا متفائل بنتيجة القمة) . ومع الحديث عن امكانية الافراج عن نحو 20 أسيرا فلسطينيا خلال القمة أكد الوزير الاسرائيلي المقرب حاييم رامون وجود (اجراءات واسعة النطاق ستكون اسرائيل مستعدة لاتخاذها مشيرا إلى تلميح باراك إلى استعداده التخلي عن أكثر من 90% من المناطق بينها غور الأردن وازالة عدد كبير من المستوطنات ونقل بعضها للسيادة الفلسطينية) . حسن عبدالرحمن ممثل السلطة الفلسطينية في واشنطن وفي اتصال هاتفي مع (البيان) رجح تقدير باراك حول ميل الموقف الأمريكي باتجاه الفلسطينيين مذكرا بموقف واشنطن تجاه القدس المستند للقرار الدولي 242 الذي يعتبر شطرها الشرقي ممثلا بالاضافة لرسائل ضمانات حول ذلك وصلت إلى السلطة الفلسطينية في أعوام 91 و92 و1993. ورجح أن تتقدم أولبرايت للجانبين بصيغة لتدارسها وبحثها خلال القمة بهدف التوصل لاتفاق. من جهتها اعربت موسكو أمس عن املها في اتخاذ (خطوة حاسمة) خلال قمة كامب ديفيد بهدف انهاء النزاع الفلسطيني الاسرائيلي حسبما اوضحت وكالة ايتار تاس. ونقلت الوكالة عن مسئول في وزارة الخارجية الروسية رفض ذكر اسمه (نأمل في ان تسمح القمة باتخاذ خطوة حاسمة لتسوية النزاع الفلسطيني الاسرائيلي) . وموسكو هي احد راعيي عملية السلام في الشرق الاوسط لكن دورها اقل اهمية من الذي تقوم به الولايات المتحدة. ومن جهته اعلن المبعوث الخاص للاتحاد الاوروبي الى الشرق الاوسط ميجيل انخيل موراتينوس أمس, ان الفلسطينيين والاسرائيليين (اقرب الى السلام من اي وقت مضى) الا انه اعتبر ان المناقشات ستكون (صعبة) في قمة كامب ديفيد. وقال موراتينوس في اعقاب زيارة الى باريس اجرى خلالها محادثات مع مسئولين في وزارة الخارجية الفرنسية (اننا اقرب الى اتفاق سلام من اي وقت مضى بين الفلسطينيين والاسرائيليين) . واضاف موراتينوس (يجب عدم ترقب حل جميع المسائل. ان المفاوضات ستكون صعبة ولكن يجب المحاولة وتشجيع الاطراف على تحمل مسئولياتها) . واوضح موراتينوس (انها مفاوضات صعبة ولكنها ليست مستحيلة) وقال انه سيتوجه شخصيا الى واشنطن الخميس حتى يكون الاتحاد الاوروبي (شريكا) في المفاوضات. وقال (لن نشارك مباشرة) في مفاوضات كامب ديفيد (ولكننا مستعدون للمساهمة في انجاح القمة) . وتسعى القمة لحل القضايا الجوهرية الخاصة بالصراع الفلسطيني الاسرائيلي المستمر منذ 52 عاما ومن بينها قضية القدس واللاجئون الفلسطينيون والمستوطنات اليهودية وحدود الدولة الفلسطينية المعتزمة. واشنطن, القدس ـ البيان والوكالات
