دعا الرئيس الامريكي بيل كلينتون رئيس الحكومة الاسرائيلي ايهود باراك واحرج الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بدعوته الى اجتماع ثلاثي في واشنطن. وقد كانت الدعوة متوقعة, وحضرت وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت خصيصا للتحضير لها, وقابلها الفلسطينيون ببرود مقترحين ان يتم التجهيز للاجتماع الثلاثي بشكل افضل بواسطة طواقم مفاوضات الحل الدائم, لأنه في الوضع الحالي لم يتم التوصل الى اتفاق على مبادىء تصلح قاعدة لصيغة حل دائم. ومع ذلك كان متوقعا ان يدعى الى هذا الاجتماع في النصف الثاني من يوليو ولكن الرئيس الامريكي دعا اليه في النصف الاول من هذا الشهر. وتحاول القيادة الفلسطينية خفض سقف التوقعات من القمة ردا على اي ادعاء ضدها بإفشال القمة يجهز في اسرائيل منذ اليوم. وكان واضحا في الاسابيع الاخيرة ان الطرف الاسرائيلي يقاتل من اجل عقد قمة من هذا النوع وانه عمليا اوقف بشكل متكامل في القمة. هذه الرغبة من باراك بعدم كشف اي موقف اسرائيلي جديد في المفاوضات وصلت به حد توبيخ وزرائه الاسبوع الماضي بحجة ان كثرة تصريحاتهم حول النسب المئوية التي تقبل اسرائيل الانسحاب منها باتت تفيد الفلسطينيين. لماذا يصارع الطرف الاسرائيلي لعقد القمة؟ لأن منطقه التفاوضي في عهد باراك يقوم على اساس: 1) اختصار اي (تنازلات) اسرائىلية جديدة للفلسطينيين في المرحلة الانتقالية. 2) اقتراح صفقة شاملة نهائية على الفلسطينيين تنهي حالة الصراع ـ ويفضل ان تشمل هذه الصفقة تسوية كل القضايا ولكن بالامكان التعايش مع بقاء قضايا عديدة مؤجلة طالما انتهت حالة الصراع. 3) تشمل هذه الصفقة انسحابا اسرائيليا من اجزاء واسعة من الضفة الغربية كما تشمل اقامة دولة فلسطينية مع بقاء. (القدس موحدة عاصمة اسرائىل) ومع بقاء 80 ـ 85% من المستوطنات تحت السيادة الاسرائيلية ومع سيادة مفهوم الامن الاسرائيلي في اي تفاهم حول المعابر والحدود خاصة في منطقة غور الاردن. 4) تبقى قضية اللاجئين خارج حدود الحلول العملية فهي بنظر الاسرائيليين قضية عربية او في افضل الحالات قضية نظرية تحتاج الى مخارج اكثر مما تحتاج الى حلول. وباستطاعة الاسرائيليين طرح هذا الموقف مرارا وتكرارا على الفلسطينيين في المفاوضات وبامكان الفلسطينيين ان يرفضوا هذا الطرح, وهكذا تستمر المفاوضات بلا نهاية ـ فلا احد يستطيع ان يحرم الفلسطينيين من قول كلمة (لا) ولذلك لابد بنظر الطرف الاسرائيلي من اتخاذ قرار على اعلى مستوى, اي لابد من جر الرئيس الفلسطيني الى الحسم. ولهذا يلح الاسرائيليون فجأة على عقد قمة. انهم يريدون طرح المشروع كله مرة واحدة بما فيه استعدادهم لقبول دولة فلسطينية من اجزاء واسعة نسبيا من الضفة الغربية ورمي الكرة في الملعب الفلسطيني ليساهم كلينتون في الضغط على ياسر عرفات الذي لا يرغب ان يتهم بإفشال مسعى امريكي. وما دام واضحا انه لن يحصل تقدم في المفاوضات المباشرة بين الفلسطينيين واسرائيل فلماذا تؤجل القمة ولماذا لا تعقد بأسرع وقت ممكن؟ هكذا يتساءل الاسرائيليون بسذاجة في سنة انتخابات رئاسية امريكية, ولابد ان يحمل تساؤلهم فيها محمل الجد. يضاف الى ذلك سبب آخر وهو ان عدم التقدم في المفاوضات لا يعني الجمود, وانما التوتر والاتهامات المتبادلة والخطوات احادية الجانب هكذا تشحن الحالة السياسية بالتدريج بالتهديدات وردود الفعل عليها الى ان يحصل الانفجار. هكذا جاءت هذه القمة السريعة على الاقل لتسريب بعض الهواء المضغوط قبل ان يحدث الانفجار, اذا لم تنجح في التوصل الى اتفاق اطار او ما يشبهه. لقد تهربت اسرائيل في مفاوضات المرحلة الانتقالية من اجتماعات القمة التي يحضرها الامريكيون, لأنهم كانوا يخشون تحكيم اي مبدأ آخر سوى توازن القوى العادي بينهم وبين الفلسطينيين ولأن هذه القمم كانت توصل الى اعادة انتشار اسرائيلية تنفيذا لالتزامات سابقة دون انهاء رسمي لحالة الصراع ودون زيادة امكانيات التوصل الى حل دائم. في هذه المرة يضغط الاسرائيليون لعقد قمة والادارة الامريكية مترددة لأنها لا ترغب بفشل على غرار فشل قمة جنيف مع سوريا. لابد ان يحاول الطرف الفلسطيني خفض التوقعات من القمة والتقليل من شأن الآمال الاسرائيلية والدولية المعقودة عليها لكي يخرج منها بسلام ومن تحميله مسئولية افشالها. ولكن اسرائيل لاتسلم بهذه المحاولة الفلسطينية لتفادي الضربة, فهي اي اسرائيل تريدها على الرأس مباشرة. ولذلك خلف باراك من ورائه ازمة حكومية وتهديدات شيرانسكي بالانسحاب, وقد يتبعه حزب المفدال, لصالح زيارات لاوروبا يجهز فيها كلا من شيراك وبلير للوم الفلسطينيين على عدم قبول دولة فلسطينية توافق عليها اسرائيل ضمن اتفاق سلام لصالح اعلان دولة فلسطينية من جانب واحد. والطامة الكبرى ان الرأي العام الاوروبي قد تعلم ان يختزل الحقوق الفلسطينية المشروعة في مقولة الدولة الفلسطينية وها هم الاسرائيليون يوافقون اخيرا على دولة فلسطينية, فلماذا ترفض قيادة منظمة التحرير وتصر على اعلان من طرف واحد؟ يجب الا تترك هذه الاسئلة لباراك ليجيب عليها. وهي تتوسل حملة عالمية لشرح الموقف الفلسطيني قبل وبعد القمة. وعلى العرب ألا (يتفرجوا) على المفاوضات, فليس الفلسطينيون (فرجة) وليست القدس قضية الفلسطينيين وحدهم, ولا حتى قضية اللاجئين هي قضية فلسطينية محضة لا من حيث تاريخها ولا من حيث واقعها الحالي, هنالك حاجة ماسة الى موقف عربي واضح يعزز الموقف الفلسطيني المتمسك بأسس الحل العادل حتى في قمة حرجة مطلوبة ومفصلة اسرائيليا في سنة انتخابات امريكية واذا وجدت امريكا زعيما عربيا مستعدا للضغط على الفلسطينيين للتنازل عن القدس واللاجئين فليلملم جرأته وينقل صوته عاليا نسمعه وليسمعه شعبه. ليس هذا الاجتماع الثلاثي كباقي الاجتماعات. الادارة الامريكية مصممة على ان التوصل الى حل دائم للقضية الفلسطينية امر ممكن (لو توفر الاستعداد لدى الطرفين لحلول وسط) وهي عازمة كما تدعي على ان تضغط على الطرفين من اجل الوصول الى تسوية, ماذا يعني الضغط على الفلسطينيين؟ انه يعني التنازل مثلا عن سيادة فلسطينية في القدس الشريف, او القبول بتأجيل الموضوع برمته في افضل الحالات الى ما بعد توقيع اتفاق سلام. وماذا يعني الضغط على اسرائيل؟ قبول خدمات بلدية فلسطينية مستقلة في القدس وسيادة فلسطينية على الحرم القدسي الشريف. او تأجيل الموضوع برمته في أسوأ الحالات. وهذا يعني تكريس ضم القدس الى اسرائيل حتى في حالة التوصل الى سلام دائم مع الفلسطينيين. وماذا يعني الضغط على الطرف الفلسطيني؟ انه يعني التنازل عن تنفيذ حق العودة للاجئين. وماذا يعني في الجانب الاسرائيلي؟ انه يعني في أسوأ الحالات قبول حق العودة نظريا بعد ضمان عدم المطالبة بتنفيذه يضاف اليه طرح حلول عينية دولية لقضية اللاجئين تضمن عدم التقدم بهذه المطالب مستقبلا. ينسحب هذا المبدأ على الاستيطان والحدود وحتى على موضوع المياه. انه ضغط على الطرف الاسرائيلي للوصول الى مواقف يعرف الامريكان اصلا انها مقبولة على الاسرائيليين, ولكي لا يعرف الرأي العام ذلك نهى باراك وزراءه عن التصريح بها. يجب ان يسمع الآن وفورا صوت الرأي العام الفلسطيني دون مزاودات ودون تخوين, وان يسمع عاليا في ارجاء امريكا واوروبا وحتى في اسرائيل. هذه ليست مجرد قمة ثلاثية, هذه كامب ديفيد جديدة او يقصد لها ان تكون كذلك.. وبالامكان افشال هذا المسعى الاسرائيلي, واعادة الاسرائيليين باجماعهم القومي من يساره الى يمينه الى مواجهة الحقائق على الارض, اي الى مواجهة شروط السلام العادل.