تمخضت الجهود الأمريكية المكثفة لتفادي إعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد عن إعلان الرئيس الأمريكي بيل كلينتون عن قمة ثلاثية في كامب ديفيد مع نظيره الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك الثلاثاء المقبل في كامب ديفيد لثلاثة أيام. وفيما أعلن باراك وعرفات قبول دعوة كلينتون استبق باراك انعقادها بالتهديد باتخاذ اجراءات اسرائيلية من جانب واحد إذا ما أعلنت الدولة الفلسطينية من جانب واحد, وفي أعقاب ذلك أعلن وزير الداخلية الاسرائيلي ناتان تشارانسكي عزمه على الاستقالة من منصبه احتجاجا على ما اعتبره تنازلات سيقدمها باراك للفلسطينيين خلال القمة, كما بدأت أحزاب أخرى تحركا عاجلا لاحباط اللقاء الثلاثي عبر اعلان بعضها عن نية الانسحاب من الحكومة أو الدعوة لاسقاطها بحجب الثقة عنها. على الجانب الفلسطيني انقسمت ردود الفعل تجاه الدعوة ما بين تفاؤل أعرب عنه نبيل شعث وزير التخطيط في السلطة وبين تحذير من الفشل أطلقه أحمد قريع رئيس الوفد الفلسطيني في محادثات الوضع النهائي. وفي أعقاب ذلك أجرت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت مباحثات هاتفية مع الرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بشأن القمة مؤكدة انها ستتفرغ لها تماما. واعلن كلينتون في البيت الابيض أمس أن باراك وعرفات سيأتيان الى كامب ديفيد لاجتماع القمة مؤكدا (انه السبيل الوحيد للمضي قدما) واكد انه (بوضوح ليس هناك نجاح مضمون) . واكد كلينتون (اذا عملنا كثيرا فانه يمكننا التوصل الى ذلك خلال بضعة ايام) موضحا (ان الهدف هو التوصل الى اتفاق حول القضايا الاساسية التي ستضع حدا لنصف قرن من الصراع بين الاسرائيليين والفلسطينيين) . وألمح الى انه ينوي القاء ثقله شخصيا في المفاوضات للتوصل الى اتفاق مشيرا الى انه سيحضر الى كامب ديفيد كلما كان ذلك ضروريا. ولكن الرئيس الامريكي احتفظ بالحذر حيث اكد ان (خلافات كبيرة ما زالت قائمة حول قضايا معقدة وحساسة) مضيفا (ان باراك وعرفات, بقبولهما التحدي والقدوم الى هنا, اظهرا انهما مستعدان لمواجهة الصعوبات بهدف التوصل الى السلام) . وقال ان المسئولين فهما ان ارجاءات جديدة في استحقاقات عملية السلام قد تتسبب في تفاقم الوضع ميدانيا. وتوجه الرئيس الامريكي مباشرة الى الاسرائيليين والفلسطينيين قائلا (ان السلام الدائم له ثمن) وان ايا من الطرفين لا يمكنه تحقيق (اهدافه مئة بالمئة) . واعرب كلينتون عن الامل في ان تؤدي القمة الى (نتيجة واقعية متوازنة ومنصفة) . واعلن باراك في باريس انه سيتوجه الى الولايات المتحدة شاعرا (بجسامة المسئولية) معتبرا ان اتفاقا محتملا (قد يسمح بفصل الاسرائيليين والفلسطينيين وسيحال على استفتاء في اسرائيل) وقال ايضا ان عملية السلام في الشرق الاوسط دخلت (مرحلة حرجة) . ولكن من المرتقب ألا تتجاوز القمة اسبوعا لان كلينتون سيغادر واشنطن اعتبارا من 19 من الشهر الجاري متوجها الى اليابان حيث يشارك في قمة مجموعة الثماني في جزيرة اوكيناوا. ولم يكن اختيار مكان القمة في كامب ديفيد محض صدفة حيث ان هذا المقر الصيفي لرؤساء الولايات المتحدة على مرتفعات ولاية مريلاند (شرق) الخضراء قد سبق وكان مسرحا للمصالحة بين اسرائيل ومصر العام 1978. وفي تصريحات أصدرها في وقت سابق أمس قال باراك انه ابلغ فرنسا وبريطانيا أمس ان اسرائيل ستتخذ (خطوات من جانب واحد) اذا اعلن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات دولة فلسطينية دون اتفاق للسلام. وامتنع عن الخوض في تفاصيل لكن هذا هو التعبير الذي تستخدمه اسرائيل للاشارة الى ضم المناطق التي ما زالت اسرائيل تحتلها في الضفة الغربية. ووجه باراك ايضا تحذيرا صريحا من احتمال تفجر العنف في غياب اتفاق للسلام قائلا ان وصول المفاوضات الى طريق مسدود ينطوي على خطر وقوع (مواجهة من هذا النوع او ذاك لن تخدم قضية أي من الشعبين) . من جانبه اعلن وزير الداخلية الاسرائيلي ناتان تشارانسكي مساء أمس عزمه على الاستقالة من منصبه في اعقاب الاعلان عن انعقاد القمة. وقال تشارانسكي للتلفزيون الاسرائيلي خلال تظاهرة امام بلدية القدس (سأقدم استقالتي خلال الاجتماع المقبل لمجلس الوزراء) المقرر الاحد المقبل. ونظمت التظاهرة احتجاجا على التنازلات التي يعتقد ان باراك سيقدمها للفلسطينيين. ويتزعم تشارانسكي حزب اسرائيل بعليا لليهود الروس (4 نواب). وقال تشارانسكي ان (باراك ليس في حاجة لي طالما انه مستعد لان يحكم بأقلية, حتى بربع البرلمان. افضل ان اكون مع الاغلبية) داعيا الى تشكيل حكومة وحدة وطنية. وتباينت ردود فعل الأحزاب الاسرائيلية على قبول باراك للقمة, ففيما أكد حزب ميرتس اليساري وقوفه إلى جانب باراك قدم حزب الليكود اقتراحا بحجب الثقة عن الحكومة. أما حزب شاس المتطرف فطلب عقد اجتماع للحكومة قبل القمة الثلاثية لتحديد الخطوط الحمراء, وأعلن حزب المفدال انه سيدعو مؤسساته للاجتماع قريبا لاتخاذ قرار بالانسحاب من الحكومة. كما أدان المستوطنون موافقة باراك على الاشتراك في القمة. على الجانب الفلسطيني أشار نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي في تصريح لوكالة الانباء الالمانية (د.ب.أ) إلى أن الرئيس الفلسطيني كان قد وافق على حضور القمة في حال دعا اليها كلينتون وقد ابلغ ذلك وزيرة الخارجية الامريكية مادلين أولبرايت لدى زيارتها المنطقة الشهر الماضي. وأعرب شعث عن تفاؤله من إمكانية قيام الادارة الامريكية بالضغط على باراك لتنفيذ استحقاقات عملية السلام (والتي لن يقبل الفلسطينيون بأقل منها) . وأشار إلى أن الوفد الفلسطيني سيركز أثناء القمة على ضرورة تنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية لاسيما المرحلة الثالثة من إعادة الانتشار وإطلاق سراح الاسرى والمعتقلين الفلسطينيين. واعتبر شعث أن عقد القمة (لن يثني الفلسطينيين عن تمسكهم بالثوابت الوطنية ورفض أي محاولة لتأجيل قضايا الوضع النهائي, خاصة القدس واللاجئين, وأنه لن تستطيع أي قيادة فلسطينية تقديم تنازلات بشأنها) . من جانبه قال احمد قريع (ابو علاء) رئيس الوفد الفلسطيني لمحادثات الوضع النهائي في اول رد فعل رسمي فلسطيني على اعلان عقد القمة (لم يجر التحضير للقمة بشكل جيد وبالتالي فان امكانيات نجاحها محدودة ان لم تكن معدومة) . واضاف في اشارة الى الفجوات في مواقف الطرفين لاسيما حول مسائل القدس واللاجئين (كيف سنبحث في القدس واسرائيل ترفض مبدأ سيادتنا عليها؟ وكيف نبحث في اللاجئين واسرائيل ترفض مبدأ الاعتراف بحق عودتهم) . وقال قريع الذي كان يتحدث من منزله في بلدة ابوديس المجاورة لمدينة القدس (لا نريد حلا مجتزءا بل حلا شاملا) . وعلى صعيد متصل اتصلت مادلين أولبرايت بالرئيس المصري حسني مبارك والعاهل الأردني عبدالله الثاني أمس للتباحث معهما بشأن القمة الثلاثية التي دعا إليها كلينتون. وأعرب العاهل الأردني عن أمله في أن تسفر القمة عن اتفاق سلام دائم بين الاسرائيليين والفلسطينيين. من جانبها ألغت أولبرايت مشاركتها في الاجتماع الوزاري لمجموعة الدول الثماني في اليابان لكي (تتفرغ تماما) للقمة. وأعلن المتحدث باسم الوزارة ريتشارد باوتشر ان أولبرايت (ستتفرغ تماما وتشارك مشاركة فاعلة في الاجتماعات على مختلف المستويات) . غزة, واشنطن ـ البيان والوكالات
