تجمع اباطرة التكنولوجيا الحيوية وصناعة العقاقير والادوية في مؤتمر بجامعة كاليفورنيا غداة الاعلان عن التوصل لخريطة الموروثات (الجينات البشرية) استعدادا لاقتحام ميدان خصب للاستثمار وجنى مليارات الدولارات, وتوقعوا ان يبدأ عملهم فعليا خلال فترة ما بين خمسة الى عشرة أعوام, في وقت ثار جدل حول المخاوف من التداعيات الاخلاقية للانجاز العلمي الخطير وتعارضها مع القيم الاخلاقية. ففي جامعة كاليفورنيا تجمع العشرات من خبراء التكنولوجيا الحيوية في مؤتمر لبحث امكانيات الاستثمار التي يفتحها رسم خريطة الجينات بوصفها طريقاً جديداً للاثراء. وقال راندي سكوت رئيس المؤتمر ان الاستثمار في التكنولوجيا الحيوية وصناعات العقاقير المرتبطة بالجينات ستحل محل صناعة الحواسيب (الكمبيوتر) التي احتلت القمة في التسعينيات. وقال ان العشرين او الثلاثين عاما المقبلة ستكون عصر (الجينات) وما يرتبط بها من تكنولوجيا وصناعات. وحدد خبراء فترة خمسة الى عشرة اعوام لبدء دخول شركات الادوية العملاقة مجال تصنيع عقاقير لعلاج امراض وراثية طبقا للخريطة الجينية. وبعيداً عن توقعات صناع الدواء ثارت مخاوف اخلاقية حول الخريطة الجينية وتداعياتها. فعلى الرغم من الوعود الطبية التي لا يكاد يمكن تصديقها التي تنجم عن اكتشاف الخريطة الوراثية البشرية فإن اقتراعا للرأي أجرته شبكة سي.إن.إن الاخبارية أظهر أن 41 في المئة من الامريكيين يعتقدون أن الابحاث الوراثية تتنافى مع القيم الاخلاقية وأن 47 في المئة فقط قالوا ان لها ما يبررها. فما هي إذن التداعيات الاخلاقية المترتبة على مشروع الخريطة الوراثية؟ وهل سيصبح بمقدور الناس في غضون الاعوام القليلة المقبلة إجراء مسح جيني سريع لمعرفة ما تخبئه الاقدار لهم على وجه التحديد, ما إذا كانوا سيموتون تأثرا بأزمة قلبية أو سيسقطون في براثن السرطان أو سيرزقون بأطفال بعيون زرقاء وشعر أشقر؟ وهل سيتعرفون على الجين الذي يمكن أن يحولهم لشواذ جنسيا؟ وعلى الرغم من أن ثلاثة أعوام لا تزال تفصل البشرية عن اكتشاف الخريطة الوراثية البشرية الكاملة, إلا أن المعدل الذي تجرى به تلك الاكتشافات والنطاق التي تجرى من خلاله يشيران إلى أن كل ما كان يعتبر ضربا من الخيال في السابق سيصبح ممكنا في نهاية المطاف. وهو ما يطرح سؤالا هاما: من الذي سيملك حقوق الخريطة الوراثية لجسم كل واحد من بني الانسان, وما الذي سيمكنه فعله بهذه الحقوق؟ وبمنظور أكثر عملية, هل يجب السماح للجهات التأمينية بالتعرف على الخرائط الوراثية للعملاء قبل التأمين عليهم صحيا؟ وإذا كانت الاجابة نعم, فهل سيكون بإمكانهم رفض التأمين على حياة شخص يتبين أنه يحمل الجين الذي قد يؤدي في يوم من الايام لاصابته بسرطان البنكرياس على سبيل المثال؟ وكيف سيؤثر اكتشاف الاسرار الوراثية للشخص على التحيز ضده أو له؟ وهل سيكون لكل منا ملف يقسم البشر إلى فئات عرقية؟ ثم أن هناك قضية السلوك الناجم عن الجينات. فهل سنسمع في القريب عن محام يدافع في المحكمة عن موكله الذي اضطرته جيناته لان يصبح مغتصبا أو قاتلا؟ أي هل ستنتهي الحقبة التي نظر فيها إلى المسئولية الشخصية باعتبارها مفهوما قانونيا معتمدا؟ ويقول هانك جريلي الاستاذ المتخصص في نقاط التقاء القانون بالعلم والتكنولوجيا بجامعة ستانفورد (سيدفع هذا ثقافتنا دفعا إلى نظرة أكثر قدرية للفرص السانحة لنا) . ويمضي موضحا ان الناس قد يحصرون الخيارات المتاحة لهم في عدد محدود اعتمادا على الخصائص التي يتحلون بها وفقا لتركيبهم الوراثي, (قد يتخذ الناس قرارات خاطئة فيما يخص حياتهم. فقد يحجمون عن الزواج أو عن الالتحاق بالجامعة خشية أن يكونوا مفتقرين لدرجة الذكاء أو القدرات المطلوبة) . أما آنا فيرست باحثة الاخلاقيات في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا فتعتقد أن التداعيات الاخلاقية الرئيسية لاكتشاف الخريطة الوراثية ستكشف عن نفسها تدريجيا في غضون الخمسين عاما المقبلة عندما يبدأ العلماء يدركون قيمة المعلومات التي حصلوا عليها الآن. وتعتقد أن السؤال الرئيسي هو ذلك المتعلق بجوهر هوية الانسان ووجوده. وتتساءل (لدينا التوجيهات التي تكفل لنا نظريا صناعة إنسان. ولكن هل سيكون ذلك الانسان شخصا؟ هل سيعامل باعتباره شخصا؟) . كما سيثير اكتشاف الخريطة الوراثية الانسانية جدلا ليس هو بالجديد: الطبيعة ضد التنشئة. وستثار تساؤلات حول ما إذا كان الناس مجرد مجموعة من الجينات تختلف من شخص لآخر أم أن هناك ما هو أكثر من ذلك, عنصرا لا يمكن كشف النقاب عنه - قد يكون الروح - وأن يكون هذا العنصر هو الذي يحمل سر هوية الانسان. يقول الفيلسوف فيليب كلايتون (الخريطة الوراثية تواجهني بسؤال هو: من أنا؟.. البيانات الخاصة بتركيبي أوشكت أن تذاع عبر موقع في الانترنت, ولكن ماذا عن الاجزاء الموجودة في شخصيتي التي أعتبرها أنا مهمة, الذات العاطفية والفكرية والروحانية؟ هل ستصمد تلك الجوانب أمام هجمة المعرفة الجينية؟) ـ ا.ب, د.ب.ا