في اول انجاز علمي كبير في القرن الحادي والعشرين اعلن العلماء امس تتويج العلوم الطبية بوضع خريطة لـ 97 في المئة من الجينات البشرية وهو ما اعتبر ثورة في العلوم الطبية تتجاوز نتائجها اكتشاف المضادات الحيوية وهبوط الانسان على سطح القمر ، وقد اشاد كل من الرئيس الامريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير بالانجاز الذي يعد بداية عهد جديد من التشخيص والعلاج الطبي وحتى تحديد اسباب السرطان وعلاجه وفي الوقت نفسه اثار الانجاز الذي يتكلف 3 مليارات دولار قلقا حيال الانعكاسات الاخلاقية لهذا الفتح الجديد الذي اطلق عليه اسم (خريطة الحياة) والمتمثلة في مشاكل اخلاقية خطيرة كالتمييز العنصري حيث حذر كل من كلينتون وبلير من مخاطر اساءة استخدام هذا الكشف العلمي. ويأتي هذا الانجاز بعد خمسين عاما من قيام العالم الامريكي جيمس واطسون والعالم البريطاني فرانسيس كريك للمرة الاولى بوصف الحلزون المزدوج لجزيء الحامض النووي (دي. ان. ايه). وكان علماء 18 دولة شاركوا في مشروع المخزون الوراثي البشري بالجهد والتمويل اعلنوا في مؤتمرات صحفية متزامنة بعواصم دولهم انهم تمكنوا من فك رموز 97% من الشيفرة الوراثية للانسان واعادة جدولة وترتيب 85% من المعلومات بصورة تسهل استعادتها والعودة اليها للبحث والمقارنة. وقال العلماء ان المسودة النهائية لكتاب (الحياة) من المتوقع ان تصدر في عام 2003 قبل الموعد المحدد لها بثلاثة اعوام. وتكفي المعلومات المتضمنة في الجينوم البشري اذا تمت كتابتها, لملء مئتي دليل هاتف كل دليل مكون من 500 صفحة. وحوالي 3 فى المئة من البيانات تغطي سلاسل الحامض النووي التي تشكل ما يقدر بحوالي 50 الى 100 ألف جين بشري تقدم الاوامر لتجعلنا كما نحن. ولأهمية هذا الانجاز التاريخي أشاد كلينتون وبلير بهذا الانجاز العلمي الكبير في إعلان مشترك صدر بواسطة دائرة تلفزيونية مغلقة ربطت بين البيت الابيض وداونينج ستريت. ووصف بلير خريطة الجينات بأنها (أول اكتشاف كبير في القرن الحادي والعشرين .. إنها ثورة في العلوم الطبية تتجاوز نتائجها اكتشاف المضادات الحيوية) . وقارن كلينتون بين المشروع وعصر الاستكشافات الذي رسم خريطة للكرة الارضية. وقال: (دون شك .. هذه أهم وأروع خريطة أنتجها الجنس البشري على الاطلاق) . وأكد الزعيمان أن هذا الانجاز العلمي ينطوي على مخاطر إساءة الاستخدام وتعهدا بألا تؤدي معرفة الشيفرة الجينية إلى تزايد التمييز ضد أشخاص بعينهم بسبب تركيبتهم الجينية. وقال كلينتون انه (يتعين ألا تغير زيادة المعرفة بالجينات البشرية المعتقدات الاساسية التي تقوم عليها أخلاقنا ونظام حكمنا) . واحاط بكلينتون لدى الاعلان فرانسيس كولنز مدير المعهد الوطني للابحاث على المخزون الوراثي البشري, وكريج فينتر, من شركة سيليرا جينوميكس التي قامت بأبحاث موازية للابحاث التي مولتها حكومات حوالي 18 دولة. وسوف تبلغ تكلفة المشروع على مدى 15 عاما من 1990 إلى 2005 حوالي ثلاثة مليارات دولار. وعرض كلينتون على بلير مشاركة لندن وواشنطن فى خطوات مستقبلية تتعلق بالمراحل القادمة لهذا المشروع.. وقال كلينتون ضاحكا انه من السهل عليه تقديم مثل هذا العرض لانه لن يشارك فى تنفيذه حيث لم يتبق فى فترة ولايته الثانية والاخيرة سوى بضعة أشهر.. وقد أعرب رئيس الوزراء البريطانى عن استعداد بلاده التعاون مع الولايات المتحدة فى هذا المجال. ويقول جون سولستون مدير مركز سانجر في كامبردج, مقر مشروع الجينوم البشري في بريطانيا: (لا يجب أن يقلل المرء من أهمية هذا الانجاز في تاريخ البشرية) . وأضاف: (على مدى عقود وقرون قادمة, سوف يوفر هذا التسلسل معلومات كاملة عن الطب وعن البيولوجيا وسوف يقودنا إلى فهم كامل ليس فحسب للبشر, بل أيضا لكل عناصر الحياة. ان الحياة ما هي إلا وحدة, وبفهمك لجزء منها تستطيع أن تفهم الجزء الآخر) . وقال مايكل دكستر من صندوق ويلكام لمشروع الجينوم البشري: (لقد تمت مقارنة وضع خريطة للجينوم البشري بصعود الانسان إلى القمر, ولكنى أعتقد أنه أكثر من ذلك. إن هذا إنجاز متميز, ليس فحسب في عصرنا, بل في التاريخ البشري كله) . وكذلك سيتمكن العلماء من خلال رسم خريطة تقريبية طال انتظارها لحوالي 96 بالمئة من الشيفرات الوراثية للانسان من تحديد اسباب السرطان واقتراح افضل علاج له بكل دقة. وقال الدكتور مايك ستراتون مدير مشروع الجينوم البشري للاورام السرطانية ببريطانيا لرويترز (من غير المستساغ بالنسبة لي الا يتحول علاج السرطان خلال 20 الى 30 عاما المقبلة الى علاج اساسه اكتشاف مجموعة الشيفرات الوراثية للانسان. (وبدلا من المقارنة بين الاعضاء والخلايا السليمة والمصابة بالمرض فان ما يسمى بخريطة الحياة يفتح الباب امام مستوى جديد من التشريح.. وهو مستوى الحمض النووي الريبي (د.ن.ا) للشيفرات الوراثية للانسان) . من جهة أخرى اقترح كريج فينتر رئيس مجلس ادارة شركة (سيليرا جينوميكس) الامريكية الخاصة ودانيال كوهين من مجموعة (جينست) الفرنسية أمس تأسيس برلمان عالمي لوضع معايير اخلاقية عالمية غير موجودة حاليا لاعتمادها في مجال الابحاث الوراثية وتطبيقات خارطة المخزون الوراثي البشري. واقترح العالمان (تأسيس برلمان عالمي) يكون (هيئة استشارية مؤلفة من نحو ستين عالما وفيلسوفا متمرسا) . واضافا ان تفويض العلماء يمكن ان يكون لمدة عامين يقومون خلالها (باسداء النصح الى اصحاب القرارات في عالم الاعمال والسياسة) . واضاف المقال ان (الهيئة التي يمكن ان تكون تحت اشراف الامم المتحدة مهمتها اطلاع الناس على الرهانات المترتبة على التقدم العلمي واقتراح الحلول) . وقال العالمان (بمجرد امتلاكنا للخارطة الكاملة للمخزون الوراثي البشري سيكون بامكاننا نظريا تكوين كائن بشري جديد) , لتبرير ضرورة تأطير الابحاث الوراثية. واعلن كريج فينتر أمس ان فك رموز المخزون الوراثي لخمسة اشخاص من اصل ولون مختلف اظهر ان مفهوم العرق لا اساس وراثيا له. واوضح فينتر خلال احتفال في البيت الابيض بحضور الرئيس الامريكي بيل كلينتون (لقد قمنا بجدولة المخزون الوراثي لثلاث نساء ورجلين عرفوا على انفسهم بوصفهم من اصل اسباني واسيوي وقوقازي (ابيض) وافريقي - امريكي (اسود)) . وقال (لقد قمنا بذلك ليس لاستبعاد احد بل احتراما لتنوع القارة الامريكية ومن اجل اثبات ان مبدأ العرق لا اساس وراثيا او علميا له) . وختم فينتر بالقول انه (من المستحيل تحديد الانتماء العرقي لاي من الاشخاص الخمسة انطلاقا من مخزونهم الوراثي) . الوكالات