مثل غيري, صدمت كثيرا لوفاة المغفور له الرئيس حافظ الأسد, رئيس الجمهورية العربية السورية, في هذه المرحلة الدقيقة التي تجتازها سوريا, وذلك على اثر أزمة صحية تعرض لها أدت إلى انتقاله إلى رحمة الله, والموت حق, والشيء الوحيد الذي نعرفه عن المولود الصغير انه سيموت في يوم ما, وكل نفس ذائقة الموت. ومع دموع دمشق, ودموع العرب والآخرين في العالم الذين عرفوه وتعلموا منه, والذين لم يعرفوه وسمعوا عنه, والذين اختلفوا معه ولكنهم احترموه, والذين رأوا فيه صلابة مواقف وإيمان بمبادئ لا تهتز, ربما يسعون بلهفة على أمل التغيير. مات حافظ الأسد بعد أن حكم سوريا مدة ثلاثة عقود, أطول من قضى في سدة الرئاسة في تاريخ سوريا, وأكثر شخص أعطاها الاستقرار, وأول شخص خلق فيها مؤسسة حاكمة صامدة ومقننة, وأول رئيس جاء من طائفة العلوية التي لا تشكل أغلبية بين السكان. كان الأسد رئيسا من نوع آخر, كان يتحدث وينظر ويقص, ويحاضر, ويشرح هموم سوريا كلها وكأنها جالسة على صدره. كان كريما في اعطاء الوقت الكافي للضيوف, يستمع لهم بصبر غير عادي, وبذوق رفيع من حسن الاستماع, لا يتعب من سرد تفاصيل الموقف السوري, ولا يضجر من الاستماع الى الرأي المعاكس. يقول الدكتور كيسنجر في مذكراته بأنه جلس مع الرئيس حافظ الأسد سبع ساعات متواصلة عند التحضير لاتفاق فك الارتباط عام 1974. ويقول المستر بيكر, وزير خارجية الولايات المتحدة في عهد الرئيس بوش, بأنه اعتاد على الجلسات الماراثونية مع الرئيس الأسد, الذي وصفه بأنه مفاوض صعب ليس من السهل اقناعه. في عهد الرئيس الأسد تحسنت العلاقات الكويتية ـ السورية, بعد ان اعتراها الفتور في عهد أمين الحافظ, والفضل يرجع الى نظرة الرئيس الأسد الواقعية والبراغماتية, التي تجاوزت طموح الفكر البعثي, وتخلت عن عقم الشعارات. وتوطدت العلاقات في الثمانينيات, ثم أخذت المنحنى الدافئ والعميق, على أثر الغزو العراقي للكويت, ومشاركة قوات سورية في تحرير الكويت من خلال الائتلاف الدولي. كان الرئيس الأسد شجاعا في مواقفه في التصدي للعدوان العراقي, لأنه يعرف أبعاده, ويدرك مخاطره, ويؤمن بأن صدام في مغامرته المجنونة سيقضي على آمال العرب في التضامن, وهو الهدف الذي كان يسعى له الرئيس الأسد ضمن الاستراتيجية السورية في توفير دعم عربي صلب للموقف السوري في مواجهة المحور الاسرائيلي ـ الامريكي. وقد كان الرئيس الأسد, منذ الغزو العراقي على جمهورية ايران الاسلامية, يسعى لوقف تلك الحرب العبثية التي هندسها صدام حسين للهروب من المسئوليات في دعم سوريا في نضالها لاسترجاع اراضيها. كان يقول بأن صدام حسين دموي, ولا يمكن الوثوق به, كنا نسمع هذا الكلام قبل الغزو الصدامي للكويت, ولكننا لم نكن نعطيه حقه من الاهتمام لأننا ادخلناه في خانة المستحيلات. قابلت الرئيس الاسد ثلاث مرات, مرتين وأنا مبعوث من مجلس التعاون كأمين عام, وآخر مرة بمعية الشيخ صباح الأحمد عندما زرناه في دمشق في سبتمبر 1996. اول مرة قابلته, قال لي بصوته الهادئ وابتسامته الصافية, بأنني أعرفك يا أخ عبدالله, وأعتقد انه يشير الى الفترة التي خدمت فيها كسفير للكويت في الامم المتحدة. تحدثت معه عن الحرب العراقية ـ الايرانية, ودور سوريا لوقفها, وكان يردد ويتألم من حالة الوهن والتشرذم العربي. جاءت حرب العراق مع ايران في اعقاب زيارة الرئيس السادات الى القدس وما افرزته من انقسامات وعزل القاهرة عن الشأن الاقليمي. وزرت سوريا مرة اخرى بدعوة من حكومتها اظهارا لدعمها لمجلس التعاون ورغبتها في تعميق العلاقات مع دول الخليج, ترجمة لسعي الرئيس الاسد في كسب التعاضد الخليجي تعويضا عن خروج مصر, ومغامرات العراق, خاصة بعد ان التقت سياسة الطرفين على صبيانية النظام العراقي, في حربه مع ايران, والاعتراف بدور سوريا في الحد من تطرف ايران. لقد عانى الرئيس الاسد من أزمات متواصلة داخل سوريا وفي محيطها الاقليمي, داخل سوريا, مرت رئاسته بأزمة مع الاخوان المسلمين في حماة التي شهدت الاحداث المؤسفة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من المواطنين. وعانى الأسد من داخل عائلته, ومن أقرب الناس اليه, ومن أخيه رفعت الاسد الذي كان مثالا بارزا للفساد ولاستغلال السلطة والتجبر والتكبر. وكانت صدمة اضافت الى صدمته من الرئيس السادات الذي حاول ان يثنيه عن زيارة القدس, لكنه لم ينجح, وبذلك فقد الحليف الاستراتيجي في المنطقة, الأمر الذي ادى الى تطويق سوريا دون حليف يخفف عنها صدمة الاشقاء. وبالطبع عانى الرئيس الاسد من ياسر عرفات, في حالتين بارزتين, الحالة الاولى في لبنان التي دخلها الجيش السوري ليصد تقدم التحالف اللبناني الفلسطيني ضد المسيحيين, وما نتج عنه من تواجد واسع للجيش السوري, والغزو الاسرائيلي للبنان وطرد المنظمة منها عام 1982. والحالة الثانية جاءت مع اتفاق اوسلو الذي أنهى الشراكة السورية ـ الفلسطينية التاريخية والتي بدأت عام 1948, وعمق وحدة سوريا في مواجهة اسرائيل, وفتح الطريق امام الاردن لاتفاق وادي عربة, وهيأ لوصول اسرائيل الى شواطئ الخليج والاطلسي. ولم تنجح المساعي في ازالة شكوك الاسد من عرفات, بل انها زادت من اتساع القنوات السرية, وآخرها قناة استكهولم, وتصور الاسد بأن عرفات تخلى عن المبادئ ودخل في لعبة المساومات والتنازلات ليحصل على جزء من الاراضي الفلسطينية. وكان الرئيس الاسد, بالاضافة الى شكوكه في سياسة عرفات, يتخوف من اسلوب الملك حسين, ومقتنع بأن هناك اتصالات اسرائيلية مع الملك تشبه اتفاق سري يتحاشى الصدام ويبتعد عن التوتر. وقد استمعت الى الكثير من الانتقادات السورية للاردن من مسئولين سوريين يتخوفون جدا من توجهات الملك حسين ومن فلسفته في التعاطي مع اسرائيل. وفي ضوء ذلك الوضع المؤلم, وجد الرئيس الاسد نفسه محاطا بخصم في العراق, وملك غامض في الاردن, ورئيس غير ملتزم في منظمة التحرير, ووضع مبتلع ومؤذ في لبنان, وحليف سوفييتي يتمزق في موسكو, ومحاور جاف منحاز في واشنطن, ولوحة عربية ممزقة في الجامعة العربية. ومع هذه اللائحة المؤسفة والمؤلمة, لم يتخل الرئيس الاسد عن التزاماته المبدئية, ولم يدخل حلبة المساومات, ووضع فلسفته التي طور عن طريقها, ادبيات حزب البعث, في مرجعيته التي ترتكز عليها مسيرة السلام, وهي المرجعية التي وضعت قواعدها في مدريد, الارض مقابل السلام, الانسحاب التام, يقابله السلام الكامل. وصارت هذه الفلسفة هي الاستراتيجية العربية التي يرددها وزراء خارجية العرب في كل محفل. في الاجتماع الاخير الذي جمعه مع الرئيس كلينتون في مدينة جنيف, لم يهتز الرئيس الأسد امام ضغط واشنطن, ولم يرهبه التهديد بترك المسار السوري, وفشل الاجتماع لأن الاسد لم يعط الجانب الاسرائيلي ما يريده على بحيرة طبريا, لم يتنازل عن الحق السوري على ارضه, مهما صغرت هذه الاراضي, لأنها قضية مبادئ وحقوق, ولو ساوم على المبادئ لنجح مؤتمر جنيف, لكن الاسد وضع الالتزام القانوني والمبدئي فوق البحث عن الراحة لأن حافظ الاسد آمن بأن مسيرته طويلة ولن يستسلم للارهاق. لقد تابعت, الرئيس الاسد عبر التلفزيون, وهو يشيع جنازة ابنه المرحوم باسل الاسد الذي قضى نحبه في حادث سيارة في طريقه الى المطار. كان الاسد متماسكا وجبارا, حافظ على هيبة الرئاسة وهو في مأتم ابنه الشاب الذي كان يعده لخلافته, وكان الاسد كبيرا في تلك اللحظات القاسية. وفي الايام الاخيرة, دشن الرئيس الاسد معركته الجديدة مع أوكار الفساد, وهي اكبر معاركه, لأن الفساد ظاهرة في العالم الثالث, وموجودة بقوة في سوريا. ومن الملامح الواضحة, ان الرئيس الاسد عازم على مواصلة الطريق في اجتثاث قلاع الفساد, ومن هذه الملامح قدرته على اتخاذ القرار الصعب, فقد طرد رئيس وزرائه لمدة 14 عاما محمود الزعبي, وبدأ في قطع رؤوس الفساد, لكن القدر لم يمهله لاتمام المعركة التي انطلقت وستستمر. رحل الأسد, رجل الصمود, ورجل الالتزام, ورجل الصدمات المؤلمة في حياته وفي حياة بلده, رأى اصدقاء الامس يفرون الى المواقع الآمنة في اتفاقية سلام ناقصة ومجروحة, ورأى القدر يصيبه في ابنه, ورأى الكثير من المآسي والاحداث المهلكة وبالطبع في النهاية خر صريعا من ثقل الصدمات والمآسي التي شهدها. ماذا عن مسيرة السلام؟ وماذا عن القواعد التي سار عليها الرئيس الأسد؟, هل ستزداد فرص السلام أم لا؟... كل ذلك في بطن المستقبل.. رحم الله الأسد, كان أسدا في ثباته وقوته والتزامه, وأسكنه الله واسع جناته, ولنا جميعاً في سوريا وغيرها الصبر والسلوان.