تدفق فلسطينيو لبنان أمس على الحدود ليكتشفوا للمرة الاولى من هذه المسافة القريبة (وطنهم) ويتنسموا هواءه, من خلف الاسلاك الشائكة التي تفصل بين لبنان وفلسطين. واتى الفلسطينيون من كل مخيمات اللاجئين في لبنان حيث يعيشون في ظروف بائسة، منذ ,1948 الى بلدة ضهيرة الصغيرة الواقعة على بعد عشرة كيلومترات تقريبا من شاطئ المتوسط وتسلقوا تلة غطتها الازهار الزرقاء والصفراء التي عطرت الاجواء, وصولا حتى حاجز الاسلاك الشائكة. وفي الجانب الآخر من الحدود على بعد اقل من خمسة امتار وقف قبالتهم اقارب لهم او مجهولون لكنهم رغم ذلك قريبون منهم, هم فلسطينيون بقوا في وطنهم. وبين المجموعتين سير الجنود الاسرائيليون دوريات راجلة وهم يحملون بنادق رشاشة ويتحدثون بالعربية الى فلسطينيي لبنان وبالعبرية الى الاخرين عندما كانوا يقتربون كثيرا من الحاجز لمصافحة يد ممدوة او لشد ذراع او لتبادل ارقام الهاتف. ويقول محمود ابو شبعا الذي يعود اصل والديه الى بلدة صفد في شمال فلسطين لكنه ولد في مخيم الراشدية قرب صور حيث يقيم, (جئت اتنسم عطر رائحة فلسطين. انها رائحة ذكية. انا هنا لكن قلبي على الجانب الاخر) . ويضيف هذا الفلسطيني (هذه ثالث مرة احضر فيها الى هنا منذ الاربعاء. لا يسعني غير ذلك) مع ان المنظر على جانبي الحدود هو ذاته. ولا يسع احد منهم ان يفسر لماذا اتى الجميع الى هذه البلدة دون سواها. وقد اتكأ احمد رباح (70 عاما) الذي اعتمر الكوفية الفلسطينية الى شجرة ليلتقط ببطء انفاسه بعد التأثر البالغ الذي اجتاحه. فللمرة الاولى منذ خمسين عاما رأى مجددا شقيقه الذي اتصل به في الامس (من الجانب الاخر) ليحدد له موعدا. ورفعت زوجته عالية مفتاح المنزل الذي هجرته في فلسطين وراحت تسأل عن الجميع وعن العائلة لتعود مجددا الى الحديث عن منزلها في عكا. وقد رافقهم ابن شقيقه البالغ السادسة والعشرين الذي ولد في مخيم عين الحلوة في ضاحية صيدا. ويقول الشاب الذي وضع حول عنقه قلادة تمثل خارطة فلسطين (انا سعيد جدا. لقد تمكنت اخيرا من رؤية عمي الذي كنت اسمع عنه فقط) . ويشيد الجميع (بتحرير لبنان) لانهم لم يتمكنوا يوما من الاقتراب الى هذا الحد من الارض التي أبعدوا عنها قبل اكثر من نصف قرن. فكان من غير الوارد ان يأتوا الى المنطقة عندما كان يسيطر عليها الاسرائيليون والميليشيا التابعة لهم. وفي احدى الزوايا, راحت ثلاث نساء يجمعهن تشابه في الشكل ملفت للغاية, يتبادلن اطراف الحديث وهن يبكين ويضحكن. المرأة الواقفة على الجانب الفلسطيني من الحدود تعرف زوجها وهو فلسطيني على والدتها وشقيقتها الواقفتين على الجانب اللبناني. وتوضح (تزوجت منذ 25 عاما ولم تسنح لي الفرصة بأن اعرف اهلي على زوجي) . ووسط اجواء الفرح هذه وقف طارق عبد وهو شاب في الثامنة والعشرين من عمره مطرقا. وقال (امر فظيع ان نعيش في بلد لاجئين من دون حقوق فعلية وان نقف هنا لا يفصلنا عن بلدنا سوى هذا السلك الشائك الصغير الذي لا يمكن مع ذلك تجاوزه) . في المقابل تنهمر الدموع دونما انقطاع على خدي خولة مقصود وهي امرأة شابة في الثلاثين من عمرها اتت من مخيم برج الشمالي قرب صور لاكتشاف البلد الذي طالما سمعت عنه. وفجأة تتحمس وتقطع عهدا بأن الفلسطينيين سيحذون حذو اللبنانيين, سيعودون الى فلسطين لكنها ما تلبث ان تسترسل مجددا في البكاء. - أ.ف.ب